فقه الهجرة إلى الله تعالى والتحذير من الغش.. موضوع خطبة الجمعة اليوم
تناولت خطبة الجمعة اليوم، الموافق 19 يونيو 2026، موضوعًا مهمًا يجمع بين فقه الهجرة إلى الله تعالى والتحذير من الغش، خاصة في الامتحانات. وأوضحت وزارة الأوقاف أن الهدف من الخطبة هو توعية المصلين بأن الهجرة إلى الله تتحقق بهجر القلب والجوارح لكل ما يبغضه الله، والاتجاه إلى ما يحبه ويرضاه. كما أشارت إلى أن الخطبة الثانية تركز على التحذير من الغش في الامتحانات.
نص الخطبة الأولى
الحمد لله العظيم الودود، واهب الفضل والجود، ومصرف الأيام والدهور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الوجود، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، الذي هاجر بأمر ربه ليرفع منار التوحيد والشهود. وبعد: فيا عبد الله:
- تذوق حلاوة المعية الربانية والسكينة الإلهية؛ فذلك نعيمك المعجل، ومقام قربك الأجل. فبصدق توكلك على الله وعمق يقينك يتأكد حبل وصالك، ويمتلئ قلبك بجلال حالك، لتتذوق جمال الصدق والتعلق بحمى الله الشريف، وتفوز بصفاء الود والوصال المنيف، وتأنس بأنوار لطفه في كل مشهد وموقف، لتعيش حال مشهد الصاحبين في الغار إذ التحمت الأرواح وتلاشى الخوف أمام جلال الأنس والوراثة الشريفة، فتنزل الأمان بلسان النبوة: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»، ليتجلى سر ﴿لَا تَحۡزَنۡ﴾ ليكون بوابة السكينة المطلقة؛ ومنبع المعية الإلهية المشرفة، فترى فيوضات النصرة الإلهية، وعطايا التدابير الربانية، فتعيش مطمئن البال، هادئ الحال، منعمًا بلطف وسر هذه الآية المعظمة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾.
- كن محلًا للتأييد الإلهي والعطاء الرباني: وطهر فؤادك من المعصية، وأقبل على ربك بالكلية، وانظر هجرة الصحب الكرام، الذين تجلت فيهم النظرة المحمدية، ونالوا شرف المنزلة الميمونة، فكن كسيدنا أبي بكر (رضي الله عنه) في الصدق والتصديق، ليفسح الله لك في كل طريق، وعش حال سيدنا علي (رضي الله عنه) في رد الأمانات والفداء، والثبات عند اللقاء، وتدبر حكاية سيدنا مصعب (رضي الله عنه)، وارض بالبذل والتضحية، واترك دنايا الدنيا الفانية، واقتد بسيدنا عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) في عفته، وبركة كسبه ونفقته، والزم صدق سيدنا ذي البجادين (رضي الله عنه) في التجرد واليقين، لتُبعث غدًا في صف الصالحين، فأولئك هم الأبرار الذين تركوا الديار والأوطان، وابتغوا من الله عظيم الرضوان، فحق فيهم قوله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾، فمتى لزمت هذا الطريق الأسن، جاءك العطاء الرباني وعم، وقد وعد الله أهل طاعته بالمدد واليسر، وأن يكونوا من أهل المعية والحفظ حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك».
- عش حال الهجرة الحقيقي واهجر ما نهى الله عنه: واعلم أن الهجرة ليست مجرد زمن قد خلا وانقضى، بل هي حال من استقام على جادة الحق وارتضى، فالزم مهاجرة الإثم والخطايا، وطهر سريرتك من خبيث النوايا، وابتعد عن الغش والتدليس، واهجر الكذب في الفعال والمقال، لتنال من الله عظيم النوال، واستعصم بالصدق في العلن والنجوى، واجعل زادك في الدارين كلمة التقوى، والزم البعد عما يغضب رب العالمين، لتكون من عباده الصالحين المقربين؛ فمتى هجرت المعاصي والذنوب، أشرق بنور الهداية قلبك المحجوب؛ فاجعل هذا الفهم السامي ديدن حياتك، وسر نجاتك، لتتحقق بالهجرة القلبية، والمحافظة على النفس السوية، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذا المقام، بأوضح بيان وأجل كلام حيث قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
- املأ قلبك بحب وطنك الغالي: واجعله حيًا في وجدانك، وانظر بعين البصيرة والاعتبار، إلى ما فعله نبيك المصطفى المختار، حيث وقف يشكو لوعة الفراق والبعاد، لبلد هو أحب البلاد؛ وخاطب مكة بدمع من المحبة يسيل، ونطق بكلمات تؤنس كل مغترب عليل، فعوضه الله جل وعلا بالأنصار الأوفياء، ففتحوا له قلوبهم قبل الديار، ونصروه بأموالهم والأنفس في كل الأحوال، فكن لبلدك درعًا حصينًا، ومخلصًا أمينًا، واجعل من حنين المصطفى لوطنه دستورًا لوفائك، ومنهاجًا ساطعًا لصفائك، يوم أن ودع موطنه ومسقط رأسه بأجمل مقال، وأصدق حال، حين قال صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذه الرابطة الإنسانية الرفيعة: «ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
- فاعلم أن الغش في الامتحانات محرم شرعًا وعرفًا؛ فانزع أيها الوالد المكرم من روع بنيك شهوة الغش والافتئات، وازرع في طوايا نفوسهم قيم النزاهة والاستحقاق، ولا تتركهم يتسلقون درجات العلم بالزور والتزييف، بل خذ بوجدانهم نحو الصدق الشريف، فمن أخطر ما ابتليت به بعض البيوت في هذه الأزمان، مساندة الأبناء في نيل ما ليس لهم بحق ولا برهان، ليغدوا أسرى الكسل وبطالة الأبدان، فتبرير الغش تحت أي ذريعة، مسلك منبوذ ترفضه الشريعة، لأنه هدم لمبدأ العدالة وتزييف لميزان الكفاءة، فافتح عين ولدك على طهارة الكسب بقلب سليم، واحم عقله من سحت النجاح الموهوم بوعي حكيم، مستهديًا بقول الله عز وجل: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾.
- يا أيها الأب الحبيب: ارفع لولدك منارات الجد وحسن الأمانة، وحذره من مغبة الخديعة والغش والخيانة؛ فالطالب إن لم يجد في محراب بيته حزمًا يربيه، التمس في التدليس وسيلة رخيصة تغويه، فتضيع ملامح العبقرية والذكاء، بل قد يتجرأ على مقام معلميه بالإساءة والاعتداء، فاعلم أن من أعظم سبل الرعاية، أن يكون البيت منبعًا للنزاهة، ومحاربًا لأهل الغش والدناءة، يربأ بالولد عن دنس الرذيلة، ويسمو بطلبه نحو المعالي والفضيلة، فغلب لغة التقويم الحكيم، واصنع من ولدك لبنة في جدار المجتمع العظيم؛ واحذر التهاون والخذلان، متبعًا للتوجيه النبوي الشريف بصدق وإيقان: «من غشنا فليس منا».
- يا طالب العلم المبارك: اعلم أن العلم غراس مبارك، لا ينمو في تربة الغش والخداع، فاربأ بنفسك أن تتسلق درجات النجاح بالتزوير، ولا ترض بديلًا عن الجد والاجتهاد والتطوير، فمن أخطر ما يفسد وجدان الطالب في أيام مسيرته، التماس الأعذار للغش لتبديد حيرته، فيغدو أسير الوهم والاتكال، وتضيع من روحه بركة العطاء في كل حال، فافتح عينك على طهارة الكسب بوعي سليم، واحم عقلك من سحت الشهادات الزائفة بقلب حكيم، ممتثلًا لقول النبي الكريم ﷺ: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
حفظ الله مصر وأهلها، وحمى بيوتها من كل مكروه وسوء.



