لم يكن بيان الثالث من يوليو 2013 مجرد إعلان عن إنهاء مرحلة سياسية مضطربة، بل مثّل خريطة طريق متكاملة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، بعدما كانت البلاد تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وجاءت الخريطة، التي أعلنها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي -وزير الدفاع آنذاك- بحضور ممثلي القوى الوطنية والدينية والشبابية، لتضع إطاراً واضحاً لمرحلة انتقالية انتهت بإعادة بناء مؤسسات الدولة والانطلاق نحو مسار تنموي شامل.
استعادة الشرعية الدستورية
ارتكزت خريطة الطريق على استعادة الشرعية الدستورية من خلال تعطيل العمل بالدستور مؤقتاً، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة المرحلة الانتقالية، ثم تشكيل لجنة لتعديل الدستور وإجراء استفتاء شعبي عليه، أعقبه تنظيم انتخابات رئاسية ثم برلمانية. شهدت مصر خلال السنوات التالية إقرار دستور 2014، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، واستكمال تشكيل مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، بما أعاد بناء المؤسسات الدستورية للدولة وأرسى قواعد الاستقرار السياسي.
استعادة الأمن ومكافحة الإرهاب
كانت استعادة الأمن أحد أهم أهداف المرحلة الجديدة، حيث خاضت الدولة مواجهة واسعة مع الإرهاب، خصوصاً في شمال سيناء، بالتوازي مع تطوير قدرات القوات المسلحة والشرطة، وتأمين الحدود ومواجهة الجريمة المنظمة. وأسهمت حالة الاستقرار الأمني في تهيئة المناخ أمام تنفيذ مشروعات قومية كبرى وجذب الاستثمارات، بعد سنوات من الاضطرابات التي أثرت على الاقتصاد والسياحة.
الإصلاح الاقتصادي والمشروعات القومية
ورغم أن خريطة الطريق ركزت في بدايتها على المسار السياسي، فإنها فتحت الباب أمام برنامج إصلاح اقتصادي غير مسبوق، استهدف معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري. وشهدت الدولة تنفيذ إصلاحات مالية ونقدية، وإطلاق برنامج للإصلاح الاقتصادي، بالتوازي مع تنفيذ شبكة ضخمة من المشروعات القومية، أبرزها قناة السويس الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، والمدن الذكية، وتطوير شبكة الطرق والكباري، فضلاً عن التوسع في مشروعات الطاقة والكهرباء، حتى تحولت مصر إلى مركز إقليمي للطاقة.
العدالة الاجتماعية وبناء الإنسان
أكدت خريطة الطريق منذ إعلانها ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما تُرجم لاحقاً في عدد من المبادرات والبرامج التي استهدفت تحسين مستوى معيشة المواطنين. وشهدت السنوات الماضية إطلاق برامج للحماية الاجتماعية، وزيادة مخصصات الدعم النقدي، وتنفيذ المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لتطوير الريف المصري، إلى جانب القضاء على المناطق غير الآمنة، والتوسع في الإسكان الاجتماعي، بما انعكس على تحسين جودة الحياة لملايين المواطنين.
وضعت الدولة بناء الإنسان في صدارة أولوياتها، من خلال تطوير منظومتي التعليم والصحة، وإطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل، والارتقاء بالبنية التحتية للجامعات والمدارس، فضلاً عن الاهتمام بملفات الشباب والمرأة وتمكينهما في مواقع صنع القرار. كما شهدت مصر إطلاق الكثير من المبادرات الرئاسية الصحية، التي استهدفت الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والقضاء على فيروس «سي»، وهو ما حظي بإشادة دولية واسعة.
استعادة الدور الإقليمي والدولي
أثمرت حالة الاستقرار الداخلي استعادة مصر لدورها الإقليمي والدولي، حيث انتهجت الدولة سياسة خارجية قائمة على التوازن وتنويع الشراكات، وتعزيز العلاقات مع مختلف القوى الدولية، مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي. كما عززت مصر حضورها داخل القارة الأفريقية، وأسهمت في تسوية الكثير من الأزمات الإقليمية، إلى جانب دورها المحوري في دعم القضية الفلسطينية والحفاظ على استقرار المنطقة.
آراء الخبراء حول خريطة الطريق
قال الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، إن ما جرى في صيف عام 2013 مثّل نقطة تحول رئيسية في مسار الدولة، سواء من حيث طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية، أو من حيث إعادة صياغة أولويات المرحلة التالية. وأشار إلى أن المرحلة الانتقالية شهدت تحديات متشابكة، شملت استعادة الاستقرار الأمني، ومعالجة التداعيات الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، إلى جانب استكمال الاستحقاقات الدستورية والانتخابية.
من جانبه، قال الكاتب الصحفي جمال الكشكي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، إن 30 يونيو و3 يوليو شكلا نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة، موضحاً أن ما جرى في 3 يوليو جاء استجابة مباشرة للإرادة الشعبية التي تجلت في خروج ملايين المصريين خلال ثورة 30 يونيو، إذ شكل إعلان خارطة الطريق بداية استعادة مؤسسات الدولة وإطلاق مسار جديد لبناء الجمهورية الجديدة. وأضاف أن ثورة 30 يونيو نجحت في استعادة الدولة والحفاظ على هويتها الوطنية، بعدما واجهت تحديات كبيرة، مشيراً إلى أن الدولة استطاعت الانطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، لافتاً إلى أن الحوار الوطني امتداد طبيعي لثورة 30 يونيو وجزء من نسيجها، لأنه يعكس فلسفة الدولة الوطنية القائمة على مشاركة جميع التيارات الوطنية في صناعة القرار، وإدارة الاختلاف تحت مظلة الحفاظ على الوطن.
من جانبه، أكد الدكتور فريدي البياضي، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن يوم 3 يوليو 2013 مثّل محطة فارقة في تاريخ الدولة، بعدما أعلن خريطة طريق شاركت فيها القوى الوطنية والدينية والسياسية، استهدفت بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تقوم على الدستور وسيادة القانون والتعددية السياسية والعدالة الاجتماعية. وأضاف «البياضي»، لـ«الوطن»، أن خريطة الطريق التي أعلنت عقب ثورة 30 يونيو وضعت مساراً واضحاً لاستعادة مؤسسات الدولة، وبناء دولة حديثة تستند إلى الدستور واحترام القانون، وتضمن المشاركة السياسية، وتحافظ على مؤسسات الدولة الوطنية خلال مرحلة شديدة الدقة. وأشار إلى أن السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو شهدت إنجازات مهمة في الكثير من القطاعات، من بينها تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتطوير شبكات الطرق والطاقة، وتعزيز قدرات الدولة، ومواجهة الإرهاب، والحفاظ على تماسك مؤسساتها، في ظل تحديات كبيرة واجهتها البلاد.
وقال أشرف أبوالنصر، مساعد رئيس حزب حماة الوطن، إن الثالث من يوليو سيظل علامة فارقة في التاريخ الوطني الحديث، بعدما مثّل خريطة طريق متكاملة لإنقاذ الدولة وإعادة بناء مؤسساتها على أسس وطنية راسخة، مشيراً إلى أن ما أُعلن في ذلك اليوم من خارطة للمستقبل جسّد توافقاً وطنياً واسعاً، ووضع الأساس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والتنمية واستعادة قوة الدولة. وأوضح «أبوالنصر» أن خريطة الطريق التي أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسي، بحضور ممثلي القوى الوطنية والدينية والشبابية، لم تكن مجرد إجراءات انتقالية، وإنما رؤية شاملة لإعادة تأسيس الدولة، بدأت بتعطيل العمل بالدستور آنذاك، وإعداد دستور جديد يعبّر عن جميع المصريين، وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وترسيخ مؤسسات الدولة الدستورية، بما عزّز المسار الديمقراطي ورسّخ مبدأ دولة القانون. وأشار إلى أن السنوات التي أعقبت الثالث من يوليو شهدت طفرة غير مسبوقة في مختلف القطاعات، سواء من خلال تنفيذ المشروعات القومية العملاقة، وتطوير شبكات الطرق والكباري، وإقامة المدن الجديدة، وتحديث البنية التحتية، إلى جانب التوسع في مشروعات الإسكان والطاقة والزراعة والصناعة، بما أسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. وأضاف أن الدولة أولت اهتماماً كبيراً ببناء الإنسان، عبر تطوير منظومتي التعليم والصحة، وإطلاق المبادرات الرئاسية التي استهدفت تحسين جودة الحياة، فضلاً عن برامج الحماية الاجتماعية، مثل «حياة كريمة» و«تكافل وكرامة»، التي عززت العدالة الاجتماعية ووفّرت مظلة حماية للفئات الأكثر احتياجاً. وشدد على أن نجاح خريطة الطريق لم يكن ليتحقق لولا اصطفاف الشعب المصري خلف مؤسسات دولته، وإدراكه حجم التحديات التي كانت تستهدف إسقاط الدولة، مؤكداً أن وحدة الصف الوطني والتفاف القوى الوطنية حول المصلحة العليا كانا الركيزة الأساسية لعبور تلك المرحلة الدقيقة، وهو ما أثبت قدرة المصريين على حماية وطنهم والحفاظ على هويته واستقراره.
وقال علاء مصطفى، نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة للشئون السياسية والبرلمانية، إن الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو تُمثل مناسبة وطنية لاستحضار واحدة من أهم المحطات الفاصلة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، حيث نجح الشعب المصري بإرادته الحرة، مدعوماً بمؤسسات الدولة الوطنية، في استعادة مسار الدولة والحفاظ على هويتها ومؤسساتها ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى والانقسام. وأكد «مصطفى» أن بيان الثالث من يوليو لم يكن مجرد إعلان لإنهاء مرحلة سياسية، وإنما مثّل خريطة طريق وطنية متكاملة أرست أسس بناء الجمهورية الجديدة، بعدما حدد بوضوح مسار استكمال مؤسسات الدولة، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بما أعاد الثقة في قدرة الدولة على تجاوز التحديات والانطلاق نحو المستقبل. وأوضح أن ما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي والقوى الوطنية في الثالث من يوليو أثبت مع مرور الوقت أنه كان رؤية استشرافية لمستقبل مصر، تمثلت في استعادة الدولة لقدرتها على التخطيط الاستراتيجي، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية المدنية القادرة على تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار من ناحية، والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي من ناحية أخرى، وهو ما انعكس في استمرار تطوير مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية. وأشار إلى أن السنوات التي أعقبت تنفيذ خريطة الطريق شهدت إنجازات غير مسبوقة في مختلف القطاعات، سواء من خلال تطوير البنية التحتية، وإطلاق المشروعات القومية الكبرى، وتوسيع شبكات الطرق والنقل، وتحقيق طفرة في قطاع الطاقة، وتعزيز الأمن القومي، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، فضلاً عن إطلاق المبادرات الرئاسية في مجالات الصحة والتعليم وتمكين الشباب والمرأة، بما يعكس رؤية تنموية شاملة تستهدف بناء الإنسان المصري، بالتوازي مع بناء الدولة. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما تحقق من إنجازات، من خلال توسيع مساحات المشاركة السياسية، وتعزيز الحوار الوطني، وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، بما ينعكس بصورة مباشرة على جودة حياة المواطنين، ويضمن شعور كل مواطن بثمار التنمية الشاملة، باعتبار الإنسان المصري هو الهدف الأول والأخير لمسيرة البناء والتنمية.



