شهدت أدوات جماعة الإخوان الإرهابية تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فبعد تراجع قدرتها على الحشد والتنظيم الميداني نتيجة الضربات الأمنية والانقسامات الداخلية، اتجهت إلى ساحة جديدة تعتمد على الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، لتدشين ما بات يعرف بـ«الحرب الرقمية»، التي تستهدف التأثير على الرأي العام عبر نشر الشائعات الاقتصادية والتشكيك في مؤسسات الدولة وإنجازاتها التنموية.
اللجان الإلكترونية كأداة رئيسية
تعتمد الجماعة بصورة أساسية على شبكات من اللجان الإلكترونية والحسابات الوهمية التي تعمل بشكل متزامن على نشر محتوى موجه وإعادة تدوير الشائعات عبر أكثر من منصة، ويقوم هذا الأسلوب على تكرار الرسائل نفسها بصيغ مختلفة ومن خلال عشرات الحسابات، بما يمنحها انطباعًا زائفًا بالانتشار والمصداقية. وتستغل هذه الشبكات أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لإعادة صياغتها بصورة انتقائية تركز فقط على الجوانب السلبية، ثم ضخها بكثافة داخل الفضاء الإلكتروني بهدف إثارة الجدل وإرباك المشهد العام وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
تعتمد هذه المنظومة على ما يعرف بالعمل الشبكي غير المركزي، حيث تتوزع المهام بين مجموعات وحسابات متعددة تعمل بصورة منفصلة لكنها تلتقي عند هدف واحد يتمثل في نشر التشكيك والتأثير على وعي المتابعين.
الاقتصاد في قلب الاستهداف
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الملف الاقتصادي أحد أبرز الأهداف التي تركز عليها الحملات الرقمية التابعة للجماعة، فمع كل تحد اقتصادي أو أزمة عالمية، تسارع هذه المنصات إلى الترويج لسيناريوهات سلبية حول الاقتصاد المصري، متجاهلة تأثير المتغيرات الدولية التي طالت معظم اقتصادات العالم. وتسعى هذه الحملات إلى تضخيم الأزمات والتقليل من أهمية المشروعات القومية وبرامج الإصلاح الاقتصادي، من خلال نشر معلومات غير دقيقة أو استخدام بيانات مجتزأة خارج سياقها الحقيقي، بهدف خلق حالة من الإحباط والتشاؤم لدى المواطنين.
تستهدف الحملات الرقمية المشروعات القومية الكبرى في مجالات الطرق والنقل والطاقة والإسكان والبنية التحتية، عبر التشكيك في جدواها الاقتصادية أو التقليل من تأثيرها على تحسين الخدمات وجودة الحياة.
إعادة التموضع الرقمي
يؤكد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق البشبيشي أن جماعة الإخوان انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة "إعادة التموضع الرقمي" بعد فقدان أدواتها التنظيمية التقليدية. وأوضح أن الجماعة لم تعد تعتمد على الهيكل الهرمي المعروف، بل باتت تستخدم شبكات إلكترونية متناثرة تقوم على الحسابات الوهمية واللجان الرقمية، لإعادة نشر خطابها القديم بأدوات تتناسب مع طبيعة المنصات الحديثة. وأشار إلى أن أخطر ما في هذا النمط هو اعتماده على التكرار والانتشار السريع، حيث يتم نشر الفكرة نفسها عبر مئات الحسابات في توقيت متزامن، بما يخلق انطباعًا مضللًا بوجود رأي عام واسع، رغم أن المحتوى في الأصل يصدر من مصدر واحد.
صناعة واقع مواز
من جانبه، يرى الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن بعض الصفحات المجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي تجاوزت دورها التقليدي في نقل الأخبار، وأصبحت أداة لصناعة واقع موازٍ يستهدف إعادة تشكيل الوعي العام، خاصة لدى الشباب. وأوضح أن هذه الصفحات تعتمد على مراحل متدرجة تبدأ بجذب المتابعين عبر محتوى محايد، ثم التحول تدريجيًا إلى مصدر للأخبار والتحليلات، وصولًا إلى بث محتوى يحمل رسائل سياسية وعاطفية تستهدف إثارة الغضب والإحباط والتأثير على اتجاهات المتابعين.
أشار إلى أن خطورة هذه الآليات تكمن في استغلال سرعة تداول المعلومات وضعف التحقق لدى بعض المستخدمين، مع التركيز على الموضوعات المثيرة للجدل والقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تحظى بتفاعل واسع.
وقال منير أديب الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، إنّ إدارة المشهد الإعلامي للجماعة خلال السنوات الماضية اعتمدت بشكل أساسي على «لجان إلكترونية منظمة» كانت منبثقة بصورة مباشرة عن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، بعدما جرى إيكال الملف بالكامل للتنظيم خارج مصر. وأضاف لـ«الوطن» أنّ اللجان كانت تدار في الأساس من خارج الحدود وتحديدا من لندن، ولكنها لم تكن مقتصرة على دولة واحدة، بل توزعت جغرافيًا بين تركيا والمملكة المتحدة وماليزيا وعدد من دول جنوب شرق آسيا، وكان الهدف الأساسي بث الشائعات، والترويج للأكاذيب، ومحاولة التشكيك في مؤسسات الدولة، وصناعة حالة دائمة من الارتباك الإعلامي.



