روجيه جارودي، الفيلسوف الفرنسي الذي اهتم بدراسة الأديان ودعا إلى وحدتها والحوار بينها، اعتنق الإسلام وأمن بأنه دين المستقبل. واجه الصهيونية وناصر القضية الفلسطينية، ودفع ثمن مواقفه. كتابه "الإسلام دين المستقبل" شاهد على تحوله الفكري والروحي. أسس المعهد الدولي للحوار بين الحضارات بباريس، ورحل في مثل هذا اليوم 13 يونيو عام 2012.
ميلاده ونشأته
ولد روجيه جارودي عام 1913 بمدينة مرسيليا الفرنسية لأم كاثوليكية، وكان معتنقًا للبروتستانتية وهو شاب. درس الفلسفة وحصل على منح تعليمية مختلفة بسبب تفوقه، ونال الدكتوراه عن النظرية المادية في المعرفة من جامعة السوربون بباريس عام 1953، ودكتوراه ثانية من جامعة موسكو عام 1954. تبنى الفكر الشيوعي وأصبح أحد رموزه في الحزب الشيوعي الفرنسي وهو في العشرين من عمره. عندما قاوم الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 طُرد من الحزب، ليعلن إسلامه في المركز الإسلامي بجنيف عام 1982 ويغير اسمه إلى رجاء.
مسيرته الأكاديمية والسياسية
عُيّن روجيه جارودي أستاذًا للفلسفة عام 1937 بالجامعة، وانتُخب عام 1945 نائبًا في البرلمان الفرنسي، وحصل على عضوية مجلس الشيوخ عام 1946، حيث ترأس اللجنة الثقافية الوطنية فيه.
تبنيه للقضايا الإسلامية
ناصر روجيه جارودي قضايا عربية وإسلامية، على رأسها القضية الفلسطينية، وواجه الصهيونية بشراسة، خاصة بعد مجزرة صابرا وشاتيلا في لبنان. أصدر بيانًا عام 1982 في جريدة لوموند الفرنسية بعنوان "معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان"، وقع معه كل من الأب ميشيل لولون والقس إيتان ماتيو. كان البيان بداية صدام مع المنظمات الصهيونية العالمية التي شنت حملة ضده واتهموه بالعنصرية ومعاداة السامية، وقاطعته صحف العالم، لكنه أصر على مواقفه.
كتابه "الإسلام دين المستقبل"
كتب جارودي بعد إسلامه كتابًا بعنوان "الإسلام دين المستقبل"، قال فيه إن للإسلام شمولية كبرى في استيعابه لسائر الديانات المختلفة، فهو أكثر الأديان شمولية في استقباله للناس المؤمنين بالتوحيد، ومنفتح على ثقافاتهم وحضاراتهم. هو دين التفتح، يختلف عن اليهودية المنغلقة على مفاهيم القومية والتعصب العنصري. الإسلام دين الجمال والأخلاقيات والعمل، ويمكن أن يستمر في التقدم بهذا الانفتاح. تطور من مجتمع المدينة إلى دولة واسعة، واستطاع مواجهة المشكلات الجديدة في كل عصر.
تنبؤه بمستقبل الإسلام
أضاف جارودي أن للإسلام مستقبلًا باهرًا كما في ماضيه أمام انهيار الغرب الرأسمالي واشتراكية الاتحاد السوفيتي. يجب استلهام روح الإسلام وتعاليم الرسول والأئمة، والانفتاح كما في الماضي لتحقيق الثورة الثقافية. الإسلام وحده قادر على حل مشكلاتنا، ولهذا أسلم بسعادة وحماسة.
زياراته لمصر
زار روجيه جارودي مصر عام 1970 والتقى الرئيس جمال عبد الناصر، ثم عاد لزيارتها عام 1983 بدعوة من الأزهر لحضور الاحتفال بعيده الألفي. عاد إليها عام 1996 برفقة زوجته الفلسطينية سلمى، ليلتقي بالأديب نجيب محفوظ وأسرة الأهرام والكتاب والصحفيين. صرح عند وصوله إلى مطار القاهرة بأن مصر هي البلد الوحيد الذي يمكن أن يكون له تأثير كبير على العالم الإسلامي، وقال: "سعدت بزيارة مساجد أحمد بن طولون والرفاعي والحسين، وشعرت بسعادة أكبر لأنني زرت المساجد المصرية في رمضان".
محاربته للتطرف في الأديان
أدانت محكمة فرنسية جارودي عام 1998 بتهمة التشكيك في محرقة اليهود والرواية الصهيونية للهولوكوست في كتابه "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل" الذي أصدره عام 1995. شكك في الأرقام حول إبادة اليهود في غرف الغاز على أيدي النازيين. قال جارودي إن الكتاب يهدف لمحاربة التطرف لدى جميع الأديان، ويحافظ على النقد السياسي والأيديولوجي دون إسراف، ويساهم في معركة التوصل إلى سلام حقيقي يقوم على احترام الحقيقة التاريخية والقانون الدولي.
محتوى الكتاب
تناول الجزء الأول من الكتاب الأساطير الدينية، منها أسطورة الوعد والأرض الموعودة، وأسطورة شعب الله المختار، وأسطورة يهودا والتصفية العرقية. الجزء الثاني عالج أساطير القرن العشرين، مثل أسطورة معاداة السامية وأسطورة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. الجزء الثالث تضمن الاستخدام السياسي للأسطورة واستثمارها، متناولًا اللوبي الإسرائيلي في أمريكا واستخدامه عالميًا والتمويل الخارجي لإسرائيل.
المحاكمات والمواقف
شن اليهود حربًا ضروسًا ضد جارودي، واتهموه بمعاداة السامية، وأصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ وغرامة 50 ألف دولار، بتهمة إنكار جرائم ضد الإنسانية والعنصرية. رد جارودي على هذه التهم بقوله: "اليهودية ديانة أحترمها، أما الصهيونية فهي سياسة أحاربها".
مؤلفاته
أصدر جارودي أربعين مؤلفًا، وضعت جميعها في متحف قرطبة الإسلامي. البداية كانت مع رواية "البارحة واليوم" عام 1945، ثم كتب "الشيوعية ونهضة الثقافة الفرنسية"، و"فلسطين أرض الرسالات السماوية"، و"الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها"، و"محاكمة الصهيونية الإسرائيلية"، و"الولايات المتحدة طليعة الانحطاط"، و"كيف نصنع المستقبل؟"، و"الإسلام وأزمة الغرب"، و"الإرهاب الغربي"، و"المسجد مرآة الإسلام" وغيرها.
تكريمه وجوائزه
كُرّم جارودي في بلاد إسلامية عديدة، وحصل على ميدالية الشرف لمقاومته الفاشية الهتلرية بين عامي 1941 و1944، وجائزة الملك فيصل الدولية لخدمة الإسلام عام 1985. رحل في مثل هذا اليوم 13 يونيو 2012 في باريس، لكن لم يعلم مكان دفنه، ولم يعثر محبوه على قبره بعد أن رفض أبناؤه دفنه وفق الشريعة الإسلامية.



