تعتبر حادثة استشهاد الصحابي خبيب بن عدي الأنصاري في السنة الرابعة للهجرة واحدة من أهم المحطات المؤثرة التي سجلتها كتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بدقة شديدة. لم تكن هذه الحادثة مجرد عملية إعدام انتقامية عابرة في سياق الصراع بين المسلمين والكفار، بل تحولت إلى أصل تشريعي وفقهي استثنائي عرف في الإسلام بـ "سنة الركعتين قبل الإعدام".
تفاصيل القصة
في ذلك اليوم المشهود على رمال منطقة "التنعيم" بمكة المكرمة، نجح خبيب بن عدي في تحويل مشهد الإعدام والموت إلى لوحة من الثبات. فبينما كان القائمون على إعدامه ينتظرون منه البكاء أو التراجع، فاجأ الجميع بطلب أخير، وهو أن يصلي ركعتين خفيفتين ليعلن فيهما براءته من الخوف وتفويضه الكامل لله عز وجل.
تذكر كتب السيرة والسنة النبوية، ومنها ما رواه أبو هريرة وجاء في صحيح ابن حبان، أن أحداث هذه القصة وقعت في السنة الرابعة للهجرة، عندما قدم إلى المدينة المنورة نفر من قبيلتي "عضل والقارة" وطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرسل معهم نفرا من الصحابة ليفقهوهم في الدين ويقرؤوهم القرآن، فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي في عشرة من الصحابة وكان من بينهم خبيب بن عدي.
وعندما وصل الوفد إلى منطقة ماء الرجيع بين مكة وعسفان، غدرت القبائل بالصحابة واستصرخوا عليهم حيا من "بني لحيان" فأحاطوا بهم. وبعد مواجهة أسفرت عن استشهاد عدد من الصحابة، وقع خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة في الأسر.
الأسر والموقف الأخلاقي
وساق الآسرون خبيب بن عدي إلى مكة المكرمة لبيعه، فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل وكان دافع الشراء هو الانتقام؛ إذ كان خبيب هو من قتل الحارث بن عامر في غزوة بدر. حبس خبيب في دورهم لعدة ليال في انتظار ترتيبات إعدامه علنا أمام أهالي مكة ليكون عبرة كما خططوا لها.
وقد وثقت الروايات لقطة من فترة حبسه تعكس التزامه الأخلاقي حيث استعار من إحدى نساء بني الحارث ما يستحد به أي آلة حادة ليتنظف بها من الشعر، فغفلت المرأة عن طفل لها صغير فدرج حتى جلس على فخذ خبيب والآلة الحادة بيده، فخافت المرأة خوفا شديدا ولاحظه خبيب، فطمأنها قائلا: "أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك". وقد أثر هذا الموقف العظيم في نفس المرأة فكانت تقول بعد ذلك: "والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب".
لحظة الإعدام وسنة الركعتين
بعد انتهاء الأشهر الحرم، خرج الكفار بخبيب بن عدي إلى منطقة التنعيم وهي منطقة خارج حدود الحرم المكي لصلبه وقتله بحضور حشد كبير من الرجال والنساء والصبيان. وقبيل تنفيذ حكم الإعدام طلب خبيب من قادة كفار قريش مهلة أخيرة، قائلا لهم: "دعوني أصلي ركعتين"، فأذنوا له تحت اعتقاد أنه يعاني الجزع والخوف.
صلى خبيب ركعتين بأتم خشوع، لكنه تعمد تخفيفهما واختصارهما ولم يطل فيهما خوفا من أن يقولوا إنه يخاف الموت. وعقب تسليمه التفت إلى جموع المشركين وقال كلمته الشهيرة: "والله لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت" (أي لأطلت الصلاة)، وبذلك أغلق الباب أمام أي تفسير يربط بين طول صلاته ومحاولة تأخير الموت خوفا.
بعد أن فرغ من الصلاة رفع الكفار خبيب بن عدي على خشبة الصلب، وبدأ المشركون يطعنونه بالرماح ويساومونه على عقيدته. وعندما سئل إن كان يتمنى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مكانه وهو معافى في بيته، رفض بشدة مؤكدا فداءه للنبي بروحه. وفي هذه اللحظات أنشد أبياته الشهيرة التي تعكس قمة الثبات العقدي:
- ولست أُبالي حين أقتل مسلما... على أَي جنب كان في الله مصرعي
- وذلك في ذات الإله وإن يشأ... يبارك على أوصال شلو ممزع
التشريع الفقهي
كان الصحابي خبيب بن عدي هو أول من سن صلاة ركعتين قبل الإعدام. وعندما بلغت تفاصيل ما صنعه خبيب للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، أقر هذا الفعل وعظمه. وبناء على هذا الإقرار النبوي، دخلت هذه الواقعة حيز التشريع الفقهي فأصبحت سنة مشروعة لكل مسلم ينفذ فيه حكم الإعدام أن يصلي ركعتين قبل موته، لتكون صلاته تلك آخر عهده بالدنيا وتثبيتا لنفسه وتفويضا لأمره إلى الله.



