في غابة قديمة، حيث تحتفظ الأشجار بتاريخها في حلقات جذوعها، وتنقل الطيور أنسابها عبر الأغاني، وتعرف السلاحف مواقع الآبار كما يعرف الشيوخ مواقع الذكريات، عاش الجميع في طمأنينة، معتقدين أن الأمور ستبقى على حالها. وكانت هذه أول خطأ فادح. ففي الطبيعة، لا شيء يبقى ثابتًا إلا في خطابات الببغاوات.
ظهور النمل الأبيض
ذات يوم، ظهرت مجموعة صغيرة من النمل الأبيض على أطراف الغابة. لم تكن مسلحة، ولم تهدد أحدًا، بل بدت مسالمة إلى درجة تثير الشفقة. قالت: "نحن مجرد عابرين، نبحث عن مأوى مؤقت وقليل من الخشب الرطب". وبحكم طيبة قلب الغابة المزمنة، فتحت لهم الأغصان والأبواب والجذوع.
مرور الزمن
مر عام، ثم عشرة أعوام، ثم جيل كامل. وفي كل مرة كان أحد البوم العجائز يحذر من أن النمل الأبيض لا يأكل الأشجار دفعة واحدة، كانت العصافير تتهمه بالتشاؤم وتصفه بأنه عدو للتعايش ومقاوم للتنوع الخشبي. وكان النمل الأبيض في الواقع شديد الأدب. لم يطلب حكم الغابة، ولم يطالب بإزالة الأشجار، ولم يعلن حربًا على أحد. كل ما فعله هو التكاثر، ثم التكاثر، ثم التكاثر مرة أخرى. فالتاريخ أحيانًا لا يُهزم بالسيوف، بل بحفلات الميلاد.
تغيرات بطيئة
مع مرور الوقت، بدأت أحداث غريبة تحدث. صارت بعض الأشجار العتيقة تُقطع لإقامة مساكن جديدة للنمل. وتغيرت أسماء الأماكن شيئًا فشيئًا. وتحولت الحكايات القديمة إلى روايات قابلة للنقاش. أما الأغاني التي كانت الطيور تحفظ بها تاريخ الغابة، فقد وُصفت بأنها تراث محلي يحتاج إلى تحديث ليتناسب مع الواقع الجديد. وكان الواقع الجديد يزداد جديدًا كل عام.
ادعاء الملكية
حتى جاء اليوم الذي وقف فيه أحد أحفاد النمل الأبيض فوق جذع شجرة عمرها ألف عام وقال بثقة كاملة: "هذه الغابة بناها أجدادنا". ساد الصمت. نظر السنجاب إلى السلحفاة، ونظرت السلحفاة إلى البومة، ونظرت البومة إلى السماء كمن يبحث عن زر لإعادة ضبط التاريخ. فالجميع يعلم أن أجداد النمل الأبيض وصلوا منذ زمن ليس بالقصير، لكنهم لم يغرسوا شجرة واحدة من أشجار الغابة. غير أن المشكلة في الذاكرة أنها مثل العضلات، إذا لم تستخدمها ضمرت. أما الرواية التي تتكرر ألف مرة، فإنها تنبت لها أجنحة حتى لو خرجت من شرنقة كذبة صغيرة.
دروس مستفادة
وهكذا اكتشفت الغابة متأخرة أن الاحتلال ليس دائمًا دبابة تعبر الحدود. أحيانًا يكون يرقة صغيرة تدخل جذعًا مفتوحًا. وأحيانًا يكون ضيفًا يطيل الإقامة حتى ينسى صاحب البيت أين وضع عقد الملكية. وأحيانًا يكون مجرد تراكم بطيء جدًا، هادئ جدًا، مهذب جدًا، حتى إنك لا تشعر به إلا عندما تسند ظهرك إلى الشجرة فتكتشف أنها أصبحت مجوفة من الداخل.
ولأن الغابات مثل الأمم، فإن الخطر الحقيقي ليس في استقبال العابرين أو إغاثة المحتاجين. الخطر يبدأ عندما يتوقف أهل الغابة عن تعليم صغارهم من هم، وكيف وصلت هذه الأشجار إلى هنا، ومن حفر الآبار، ومن غرس البذور الأولى. فعندما تنام الذاكرة، تستيقظ الروايات البديلة. وعندما يكسل أصحاب الدار عن كتابة تاريخهم، يتطوع الغرباء لكتابته نيابة عنهم. وعندها فقط يصبح النمل الأبيض مؤرخًا رسميًا للأشجار التي أكلها.



