حادثة أبكت الرسول: قصة بئر معونة والصحابي الوحيد الذي نجا
وقعت سرية بئر معونة في العام الرابع للهجرة، حيث تعرض عدد كبير من صحابة النبي ﷺ للغدر والخيانة. في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل هذه الحادثة الأليمة التي أبكت الرسول الكريم.
بعثة سبعين من خيرة الصحابة
بعث رسول الله ﷺ سبعين من خيرة الصحابة من أهل العلم وحفظة القرآن الكريم، يُطلق عليهم "القراء"، لم يرسلهم لمعركة أو فتح بلد، بل لتعليم الناس دين الله والدعوة إليه. خرجوا من المدينة لا يحملون تجارة ولا دنيا، بل يحملون أعظم كنز: كتاب الله.
مقتل الصحابة غدراً عند بئر معونة
عرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، عند بئر تُدعى بئر معونة. قال القوم: والله ما إياكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ، فقتلوهم. فدعا النبي ﷺ عليهم شهراً في صلاة الغداة، وكان ذلك بدء القنوت.
روى البخاري عن أنس بن مالك أن رعلاً وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كانوا يُسمون القراء، يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل. حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم. فبلغ النبي ﷺ فقنت شهراً يدعو في الصبح على أحياء من العرب: رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.
قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.
تفاصيل الحادثة من رواية البخاري
حدثنا موسى بن إسماعيل، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك أن النبي ﷺ بعث حراماً أخا لأم سليم في سبعين راكباً. وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، خير رسول الله ﷺ بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف. فطعن عامر في بيت أم فلان فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه.
فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج، ورجل من بني فلان فقال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن أمنوني كنتم قريباً، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله ﷺ؟ فجعل يحدثهم وأومأوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه. قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج، وكان في رأس جبل. فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: أنا لقد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.
دعوة الرسول على رعل وذكوان
فدعا النبي ﷺ ثلاثين صباحاً على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله.
وروى البخاري عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك يقول: لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه وقال: فزت ورب الكعبة.
قصة عمرو بن أمية الضمري
وروى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل. فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة. قال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع. فأتى النبي ﷺ خبرهم فنعاهم، فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا" فأخبرهم عنهم. وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو وسمي به منذر.
دروس من سرية بئر معونة
لو كانت الدعوة إلى الله أمراً ثانوياً لما أرسل النبي سبعين من خيرة أصحابه، ولو كانت قضية هامشية لما خاطر بخروج هذه النخبة المباركة. إن إرسال 70 من أهل القرآن والعلم يكشف حقيقة كبرى: أن الدعوة إلى الله من أعظم أولويات الإسلام.
أبرز مشاهد بئر معونة: فزت ورب الكعبة
من أبرز مشاهد بئر معونة أن الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه لما طعن بالرمح وسال دمه قال: "فزت ورب الكعبة". كيف يتكلم عن الفوز وهو يقتل؟ كيف يتكلم عن السعادة وهو ينزف؟ كيف يرى النجاح في لحظة يراها أهل الدنيا نهاية وخسارة؟ كان يقول ذلك لأنه كان يعلم شيئاً نسيه كثير من المسلمين اليوم: أن السعادة ليست في المال ولا المنصب ولا الشهرة، بل في أن يرضى الله عنك.
إن عودة روح بئر معونة لا تعني البحث عن الموت، بل البحث عن الحياة الحقيقية: أن تعيش لله، وأن تحمل رسالته، وأن تجعل للدعوة نصيباً من وقتك، وأن يكون لك سهم في هداية الناس.
الصحابي الوحيد الذي نجا من القتل
هو الصحابي كعب بن زيد الأنصاري، وهو كعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة بن دينار بن النجار الأنصاري النجاري، شهد بدراً. قال ابن الكلبي: قتل يوم الخندق. وقال الواقدي: قتله ضرار بن الخطاب يوم الخندق. وقال ابن إسحاق: أصابه سهم غرب يوم الخندق فقتله. ويذكرون أن الذي أصابه أمية بن ربيعة بن صخر الدؤلي، وكان قد نجا يوم بئر معونة. أخرجه أبو نعيم وأبو موسى. حيث شفي من جراحه واستشهد في غزوة الخندق.



