حين صار المواطن هدفا: الإرهاب يوسع دائرة استهدافه للمجتمع المصري
حين صار المواطن هدفا: الإرهاب يوسع استهدافه للمجتمع

في السنوات التي تلت ثورة 30 يونيو، تحول الإرهاب في مصر من استهداف رجال الجيش والشرطة والقضاء إلى استهداف المجتمع بأكمله، حيث أصبح المواطن العادي هدفاً مباشراً للعمليات الإرهابية. لم يعد الخطر مقتصراً على المؤسسات الأمنية، بل امتد إلى المرافق العامة والبنية الأساسية، في محاولة لإرباك الحياة اليومية وإظهار الدولة بمظهر العاجز عن حماية مواطنيها.

اتساع دائرة الاستهداف

بدأت موجة العنف بعد 30 يونيو باستهداف عناصر الأمن، ثم توسعت تدريجياً لتشمل أبراج نقل الكهرباء ومحولات التغذية وخطوط السكك الحديدية والمنشآت الخدمية. لم يكن اختيار هذه الأهداف عشوائياً، بل كان يهدف إلى إيصال رسالة للمواطن بأن حياته الطبيعية يمكن أن تتعطل في أي لحظة، وأن انقطاع التيار أو توقف مرفق عام أصبح وسيلة ضغط نفسي قبل أن يكون خسارة مادية.

استهداف أبراج الكهرباء

تكشف قضايا استهداف أبراج الكهرباء هذا التحول بوضوح. ففي أكثر من محافظة، ضبطت أجهزة الأمن خلايا متهمة بزرع عبوات ناسفة أو تخريب خطوط نقل الكهرباء. ولم تكن الخسارة الحقيقية في تكلفة إصلاح الأبراج، مهما بلغت، وإنما في الرسالة التي أرادت هذه العمليات توجيهها: أن يشعر المواطن بأن حياته الطبيعية يمكن أن تتعطل في أي لحظة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تأثير الإرهاب على الحياة اليومية

امتد الاستهداف إلى وسائل النقل والطرق والارتكازات الأمنية، مما جعل الحركة اليومية للمواطنين جزءاً من المشهد الأمني. كل انفجار على طريق، أو عبوة تُكتشف قبل انفجارها، أو محاولة لاستهداف كمين، كانت تفرض إجراءات أمنية إضافية وتؤثر في حركة الناس وتخلق حالة من القلق لا تميز بين مؤيد ومعارض. وهنا تكمن خطورة الإرهاب، فهو لا يختار ضحاياه وفق مواقفهم السياسية، بل يجعل المجتمع كله رهينة للخوف.

مواجهة الدولة المصرية

لم تنظر الدولة المصرية إلى هذه الوقائع باعتبارها مجرد جرائم جنائية، بل اعتبرتها اعتداءً على حق المواطنين في الأمن والحياة الطبيعية. ولذلك جاءت المواجهة على أكثر من مستوى: عمليات أمنية لتفكيك الخلايا، وتشريعات لمواجهة الجرائم الإرهابية، وتحركات لإعادة تأمين المرافق الحيوية، إلى جانب استمرار العمل على تنفيذ مشروعات البنية الأساسية رغم الاستهداف المتكرر لها. وكانت الرسالة واضحة: حماية المجتمع لا تعني فقط القبض على الجناة، بل أيضاً ضمان استمرار الحياة وعدم السماح للإرهاب بفرض إيقاعه على الناس.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

فشل الإرهاب في تحقيق أهدافه

تكشف العودة إلى تلك السنوات أن الإرهاب أخفق في تحقيق هدفه الأساسي. صحيح أنه ألحق خسائر مؤلمة، وسقط بسببه شهداء من القوات المسلحة والشرطة والمدنيين، لكن المجتمع لم ينكسر، ولم تتوقف مؤسسات الدولة عن أداء وظائفها، ولم تتحول المرافق المستهدفة إلى أدوات لتعطيل الحياة بصورة دائمة. وربما كان هذا هو الفارق الجوهري بين الدولة والتنظيمات المسلحة، فالدولة تبني ما يُهدم، وتعيد تشغيل ما يتعطل، بينما لا تملك التنظيمات سوى الهدم.

ذكرى 30 يونيو: دروس للمستقبل

تبقى ذكرى الثلاثين من يونيو مناسبة لاستحضار هذه الحقيقة. فالمعركة التي خاضتها مصر بعد ذلك التاريخ لم تكن دفاعاً عن نظام سياسي فحسب، بل كانت دفاعاً عن حق ملايين المواطنين في أن يعيشوا يومهم بصورة طبيعية، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته، والمريض إلى مستشفاه، والعامل إلى مصنعه، دون أن يصبح واحداً من ضحايا معركة لم يختر أن يكون طرفاً فيها. ولهذا فإن قراءة تلك المرحلة لا تكتمل بإحصاء عدد العمليات أو أسماء منفذيها، وإنما تكتمل بتذكر من كان الهدف الحقيقي لها: المجتمع المصري بأكمله.