في عصر الإنترنت، اختزلت معايير النجاح في كلمة واحدة: "الفحل"، وفقًا للكاتب الصحفي محمود الغول في مقال له ببوابة فيتو. فبينما كان كل جيل يقدس تميمة معينة، مثل الشهادة أو الوظيفة الحكومية أو السيارة أو الثروة، جاء الجيل الحالي ليختصر كل شيء في الفحولة.
الفحولة كمعيار شامل
في منصات التواصل الاجتماعي، أصبح يُطلق لقب "فحل" على أي شخص يسجل هدفًا، أو يرد على تعليق، أو يتشاجر، أو يقود سيارة بصوت عالٍ. حتى الخاسر يُواسى بأنه "برضو فحل". وأصبحت الكلمة تُرش كالملح على كل شيء، ففقدت معناها الأصلي الذي كان يصف الذكر الأقوى بين الحيوانات.
تحول المعايير
لم يعد الطبيب العبقري يُسمى مفكرًا، بل فحلًا. ولا الكاتب المبدع مثقفًا، بل فحلًا. ولا الطالب الأول مجتهدًا، بل فحلًا. وكأن الإنسانية، بعد آلاف السنين من الفلسفة والعلوم والفنون، انتهت إلى أن أعظم طموح هو أن يُنادى بـ "أخويا الفحل" في التعليقات.
لماذا الفحولة؟
يرى الغول أن الإجابة تكمن في الإنترنت. فقبل عشرين عامًا، كان المراهق يبحث عن قدوته في البيت أو المدرسة أو النادي. أما اليوم، فيستيقظ ليجد هاتفه يعرض آلاف الرجال الذين يخبرونه أن قيمة الرجل تقاس بعدد النساء اللاتي يعجبن به أو يخضعن له. وتطبيقات كاملة تقوم على بيع الذكورة، حيث يبيع المؤثرون دورات وكتبًا عن "كيف تصبح الفحل"، وكأن الرجولة أصبحت كورسًا مدفوعًا وليست تربية وخلقًا ومسؤولية.
دور الخوارزميات
وتلعب الخوارزميات دورًا كبيرًا، فهي تكافئ الصادم وليس الحكيم، وترفع صاحب الصوت الأعلى. والمحتوى الجنسي هو الأسرع انتشارًا، لأن الدماغ البشري مبرمج بيولوجيًا للانتباه إليه. وتمتلئ الشاشات بالإيحاءات، وتتحول الحياة إلى منافسة غير معلنة حول الجاذبية الجنسية. ونتيجة لذلك، يعيد الشباب تعريف النجاح من خلال هذه العدسة، حيث لم تعد البطولة في الأمانة أو الشرف أو النفع أو الكرم، بل في الظهور بمظهر "الألفا"، حتى لو كان ذلك مصطنعًا.
المفارقة
ويشير الغول إلى مفارقة: كلما ارتفع الحديث عن الفحولة، قلت الرجولة الحقيقية. فالرجولة لا تحتاج إلى إعلان، والقوة الحقيقية لا تصرخ. فالأسد لا يكتب في سيرته الذاتية "ملك الغابة"، ولا يعلق أصدقاؤه تحت صوره "أخويا الأسد".
تأثير المجتمع
عندما يختار المجتمع معيارًا معينًا للنجاح، فإنه ينتجه بكميات هائلة. فإذا صار المال هو المعيار، خرج آلاف المحتالين. وإذا صارت الشهرة هي المعيار، خرج آلاف المهرجين. وإذا أصبحت الفحولة هي المعيار، فلا تتعجب إذا وجدت آلاف الشباب يطاردون الصورة أكثر من الحقيقة، ويهتمون بالانطباع أكثر من الجوهر، وبعدد الإعجابات أكثر من عدد الكتب التي قرأوها.
الخاتمة
المشكلة ليست في الكلمة وحدها، بل في ما وراءها. فكل كلمة شائعة تكشف شيئًا عن المجتمع. ويسأل الغول: لماذا يشعر شاب في مقتبل العمر أن أعلى وسام يمكن أن يناله ليس العالم، ولا المبدع، ولا الأمين، ولا الناجح، بل الفحل؟ ربما لأننا نعيش عصرًا يقاس فيه الإنسان بما يثيره، لا بما يقدمه. وبما يبدو عليه، لا بما هو عليه. وبعدد المشاهدات، لا بعدد الإنجازات. ويختتم: "لن أتعجب إذا استيقظنا بعد سنوات لنجد طفلاً يسأل أباه: بابا.. يعني إيه عالم؟ فيجيبه الأب: مش عارف يا ابني.. بس أهم حاجة لما تكبر تبقى فحل. وعندها.. لن تكون المشكلة في الطفل. بل في المجتمع الذي أقنعه أن قمة الهرم الإنساني ليست العقل.. ولا الأخلاق.. ولا العلم.. بل كلمة تقال في تعليق عابر"، حسب الكاتب الصحفي محمود الغول.



