من باب الأمل، يطرح الدكتور محمود عطية تساؤلاً جوهرياً: هل نحن فعلاً بحاجة إلى الحرية دون تعليم حقيقي؟ ويستعرض في مقاله أحداثاً تاريخية مهمة لتوضيح العلاقة الجدلية بين التعليم والحرية.
صدمة سبوتنيك وتأثيرها على التعليم الأمريكي
في الرابع من أكتوبر عام 1957، انزعج الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور بشدة بعدما تنامت الأخبار عن إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي في التاريخ، سبوتنيك 1، الذي كان على اتصال بمحطات أرضية حول العالم. في خطابه للأمة، اعتبر أيزنهاور أن هذا الحدث يشير إلى تدهور خطير في نظام التعليم الأمريكي. وقد خصصت صحيفة نيويورك تايمز 279 مقالة عن سبوتنيك خلال خمسة وعشرين يوماً فقط بعد الإطلاق.
واجه أيزنهاور ضغطاً سياسياً وشعبياً هائلاً، وانتقادات لاذعة من الكونجرس والصحافة والشعب الأمريكي، الذين اتهموا إدارته بالتقاعس والنوم بينما كان المعسكر الشيوعي يحقق تفوقاً علمياً. بل إن بعض العلماء وصفوا الحدث بأنه "بيرل هاربر تكنولوجي"، في إشارة إلى الهجوم الياباني على بيرل هاربر الذي دفع أمريكا لدخول الحرب العالمية الثانية.
الاستجابة الأمريكية: طفرة تعليمية
وسريعاً ما أعقبت ذلك طفرة هائلة من التغيرات في أمريكا خلال عام واحد فقط. صدر قانون الأمن القومي والتعليم، وتم ضخ مئات الملايين من الدولارات عبر هذا القانون لتطوير مناهج الفيزياء والرياضيات والهندسة في المدارس والجامعات الأمريكية. هذا الاستثمار السريع في التعليم أثمر عن تقدم علمي وتكنولوجي هائل.
التعليم الحقيقي: شرط أساسي للتقدم
ويطرح الكاتب سؤالاً حائراً بإجابة بديهية: هل تمكنت أي دولة في العالم من تحقيق أي تقدم ورفاهية لشعبها دون تعليم حقيقي؟ الإجابة البديهية هي: لم تحقق أي دولة تقدماً دون تعليم حقيقي، ولن تحقق في المستقبل أي رفاهية دون تعليم تقني حديث. وفي ظني، كما يقول الكاتب، أن السؤال عن الحرية حالياً دون تعليم حقيقي هو قمة العبث.
فالحرية بلا تعليم تتحول إلى فوضى وتضليل جماهيري، وهو ما نعيشه حالياً. ففي ظل التعليم المظهري تحولت حياتنا إلى ملهاة كبرى، وتحولت أجهزة الإعلام مع خريجي التعليم المظهري إلى سيرك متخلف. وغياب التعليم الحقيقي مع وجود حريات يسهل على التيارات الشعبوية أو الفاسدة تزييف وعي الجماهير وشراء الأصوات.
التعليم يمنح القدرة على التحليل والمسؤولية
التعليم يمنح المواطن القدرة على الفهم والتحليل، مما يجعله قادراً على ممارسة الحرية بمسؤولية واختيار قادته بناءً على برامج لا على شعارات. والدعوات المستمرة لتجديد الخطاب الديني ما هي إلا دعوة لتعليم حقيقي يمارس فيه العقل دوره النقدي فيما تم توريثه لنا من خزعبلات شكلت ذهنية تقدس كل قديم وتكره كل جديد.
تنقية الخطاب الديني هي دعوة لتعليم حقيقي، تعليم يصنع التقدم، لا تعليم يتعمد إفقار العقل مثل تعليم الحفظ والاستظهار. نريد تعليماً ينمي وظيفة العقل في التفكير والنقد وإعادة هندسة الحياة بحل مشكلاتها، وللأسف تحولت الدعوة إلى شعار بلا نية حقيقية في التغير.
تجارب دولية ناجحة: اليابان وكوريا الجنوبية وفنلندا وسنغافورة
اليابان بعد الحرب العالمية الثانية جاء على رأس أولوياتها نحو التقدم والحداثة التعليم، وبالمثل في كوريا الجنوبية وفنلندا وسنغافورة، كلها وضعت التعليم على رأس أولويات الدولة، بدءاً من تدريب المعلمين واحترام البحث العلمي، وتطوير مناهج التعليم في المدارس والجامعات إلى ربط التعليم بالإنتاج الصناعي.
ونجد دولاً مجاورة لنا امتلكت ثروات هائلة وبنية تحتية وطرق عملاقة، ومع ذلك لم تحقق نهضة متوازنة بسبب ضعف التعليم أو تدهوره. الدول النامية تحتاج أولاً إلى كوادر متعلمة لبناء الاقتصاد والبنية التحتية، وتوفير الاحتياجات الأساسية (الغذاء والصحة) قبل التفرغ للمطالب السياسية.
الخلاصة: التعليم أولاً ثم الحرية
التعليم يخلق الإنسان القادر على فهم الحرية، وهذه الحرية تسمح للكفاءات بالعمل والإبداع، ومن ثم الحرية تخلق بيئة قادرة على تطوير كل ما حولنا. الاستثمار في العقول أولى بديهيات التقدم الحقيقي، خاصة في حالتنا حيث الثقافة التقليدية لا ترحب بالحرية بل تخشى حتى من ترديد الكلمة، والسلطات المتعاقبة تتماهى مع تلك الثقافة رغم تشدقها أحياناً بالحريات.
فلا سبيل لنا غير تعليم حقيقي حتى لو لجأنا لهامش من الحرية. ويظن الكاتب أنه تنطبق علينا معادلة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، أحد أعظم فلاسفة عصر التنوير، حيث يرى أن الإنسان يولد وهو في حالة من القصور الذاتي والتبعية للآخرين. والتعليم بالنسبة له هو الأداة الوحيدة التي تنقل الإنسان من العبودية والهمجية إلى التحرر والاستقلال الأخلاقي. البدء بالحرية بلا نظام أو توجيه يُفسد الإنسان ويحوله إلى كائن بري يصعب تقويمه لاحقاً.



