فلسفة احتساء الشاي الصيني: رحلة تأمل بين المرارة والدفء في ثقافة عريقة
لم أتخيل يوماً أن أرى شعباً ينافس الشعب المصري في إدمان الشاي، وكنت أظن لو هناك جائزة عالمية لاحتساء أكبر قدر من أكواب الشاي، لفاز بها المواطن المصري بلا منازع. لكن صحوت على الحقيقة التي رأيتها بأم عيني، وهي أن الشعب الصيني ومواطنيه أكثر شعوب الأرض شرباً للشاي، ليس هذا فحسب، بل أكاد أجزم أنهم يحتسونه بوصفه أحد أنواع الخمور الفاخرة، أو باعتباره أحد أهم العلاجات الفلسفية للروح في أطوار ماضيها وحاضرها وغدها، خاصة عند تأملهم وهم يمارسون طقوس إعداد الشاي!
تنوع لا نهائي وطقوس متجذرة
الأمر جد غريب ومثير للدهشة، فحصرياً وعند الصين آلاف من أنواع الشاي بنكهات مختلفة ومختلطة، وكل نوع وكل نكهة لها حوار ما مع النفس. كذلك الدور المتخصصة للشاي المعروفة بـكوان تشا ذات الطابع التقليدي والعريق، فضلاً عن المقاهي الحديثة، فكلاهما ذو خصائص صينية تعبر عن الهوية الصينية في عمقها الثقافي والفلسفي، لعادات وتقاليد الصينيين العتيقة في تحضير وإعداد الشاي المعروفة باسم جونغ فو تشا.
لا يخلو شارع من شوارع المدن الصينية من هذه المقاهي العتيقة أو الحديثة، فتتميز مقاهي الشاي بطابعها الذي يدعو لعمق التأمل والكتابة والتفكير، والاستمتاع بالسمر ورفقة الأصدقاء. المقهى مُعد بقاعات مغلقة على ذاتها، تبدأ القاعة لفرد واحد، وقاعات أخرى لفردين أو لثلاثة أو لمجموعة، كل حسب الهدف من جلسة الشاي. القاعة مهيأة ومعدة للغرض المراد لمزاج الجلسة، سواء تأمل أو سمر أو حديث أو عمل.
أدوات تحضير الشاي: تفاصيل تعكس فلسفة الحياة
كل قاعة فيها الطاولة المهيئة للغرض، فعلى سبيل المثال، القاعة بها طاولة خشبية عتيقة تتسع لأربعة أشخاص، ففي كل زاوية من الطاولة منقد داخلي في خشب الطاولة سواء كهربائي أو فحم. وفوق المائدة أواني إعداد الشاي من إبريق الفخار وأكواب الخزف الصيني الفخم مختلفة الأشكال والأحجام، حيث لكل شكل أو حجم عمل ما في طريقة تحضير واحتساء الشاي، مع ملاقط خشبية وبعض من مصاف.
وفي منتصف الطاولة خراطيش خشبية ممتلئة بأنواع الشاي والزهور المختلفة، مع صحون صغيرة من الزبيب وبعض الفاكهة المجففة وسكر النبات لتحلية الشاي حسب النكهة، ولب عباد الشمس والقرع والفول السوداني للتسلية والسمر. القاعة والمقهى ككل تحفة زمانية سحيقة، تشم من أرجائها رائحة العمر والقرون التي ولت بالأسلاف والأحباب لآلاف السنين الماضية.
الشاي: ضرورة يومية ورمز للحياة
منذ أن كان الشاي في حياة الصيني واحدا من سبعة أشياء ضرورية في يومه، لذا يجب توفره مع الأرز والزيت وصلصة فول الصويا والخل والحطب، كمفردات يومية لا غنى عنها لسد جوع البطن وجوع الفكر، ليبحر في التأمل حول ما يحتاجه من معيشة تكفيه ليستمر يوم آخر من العمر. الشاي ليس مشروبا عاديا، ولم يره الصيني مجرد ماء ملون، بل رآه حياة ملونة بطعم المرارة بنكهات مختلفة، لكن عليه أن يتذوقه ويضيف إليه بعض المباهج التي قد تسره.
الشاي هو أهم ضرورات المعيشة السبع عند الصيني القديم والمعاصر، الذي لا يشغله مرارة شاي الحياة بقدر ما يحفزه على السير نحو الدفء والإحساس بتملك أهم ضرورات الحياة التي تعينه على التأمل والاستمرار في كفاح مرارة الحياة. فالزمن ما هو إلا كوب شاي معد فوق طاولة المكان، يتخمر في هذا الكوب نصف العمر من التجارب والألم والمحن، والنصف الآخر من هذا الكوب منقوع فيه أفراح الحياة بلا صخب.
طقوس التحضير: حوار بين الإنسان والزمن
تتعمق فلسفة تحضير الشاي لتصير طقسا شعائريا للذات التي تنظر للماضي في وهج جمر المنقد أسفل الإبريق الفخاري المصنوع من أديم الأرض وبلمسات إنسانية تم تشكيله، وعبر هذه اللمسات انتقل إلى الفخار روح الصانع بما فيها وما حوت من خير. الخير الذي أنضجه جمر المنقد، فيبوح الإبريق في لحظة قذف الشاي محاكيا لغة البشر: لا تقف أمام الماضي ليعكر صفو مائك، ولا تضع الماضي تحت قسوة القلب ومقصلة النسيان. فقط، افهم ما فات، وحاول إصلاح ما يصير، واحتضن ذاتك برفق، لتتذوق نكهة شاي الحياة.
أرى أشياء لها العجب في ثقافة الشاي الصينية التي ربطت الإنسان بالشاي، بالحياة، وكأن عملية تحضير الشاي في حد ذاتها هي قمة الفلسفة الخاصة بمرارة الحياة ومراحل سنوات الإنسان. ثمة لغة في قاعة الشاي التقليدية بتراثية طرازها محاكاة بين الزمن والمكان ومكونات أو محتويات الإنسان والشاي.
مقارنة ثقافية وأبعاد رمزية
فالشاي لا يشرب هكذا وحده كما نفعل في مصر، وهذا ليس موضع مقارنة بين ثقافة الشاي المصرية والصينية، فالشاي يعد وافدا على الثقافة المصرية بينما في الصين فهو ابن الأرض ورديفا للحضارة الصينية التي وضعت القوانين والأعراف والتقاليد للشاي، ليس في طريقة شرابه فحسب، بل في أدوات تحضيره وإعداده، فلها شروط في صنعها وفي شكلها وفي تناولها، حتى في كلمة الشكر التي تقال عند تناول الشاي بالإشارة في دق الإصبع على الطاولة أو على فم الكوب.
كلها مفردات لأدوات لها دلالات طقسية مشفرة بين فم الإنسان وفم إبريق الشاي، بين لمعة عين الإنسان ولمعة الأبخرة في محيط عين كوب الشاي. رموز معقدة كما رموز اللغة الصينية الأكثر تعقيدا في تتداخلها وتشابكها الجمالي. لكن حين تتأمل شفرة هذه الرموز، تجدها تبوح بسر روح جوهر الشاي.
دروس الحياة في كوب الشاي
تسمع بعض همهمات جريان الشاي من صنبور الإبريق في قعر الكوب مع فواح عبقه التي تؤكد أن كل شيء سيختلط وسيعطي يوما مذاقا آخر ليتمتع به الإنسان، ومهما حدث من جسام وآلام الفراق وحتى اللقاءات، لسوف تمر الأفراح والأطراح. لا شيء يقف أمام مجرى النهر وأمام صنبور إبريق الشاي، الكل سيتتدفق كطوفان عبر الجبال والأنهار مع الرياح والأمطار.
الكل يرحل بوشم الفراغ، فالحياة رحلة نسيان نمضي فيها، وحتما سيفرغ كوب الشاي، سنترك دائما دون أن نشعر بعض الأشخاص، ونتخلى عن بعض الحكايات للحد الذي نتخلى فيه عن بعض أيامنا وسنوات من أعمارنا، حين ينطفئ جمر المنقد تحت إبريق الشاي، ويخفت صوت الحياة في كركرة الشاي ببطن الإبريق الفخاري.
التأمل والاستمرار: فلسفة الصيني في الحياة
يعاود الصيني بفكره وتأمله مرة أخرى ليصنع جلسة شاي، ليحاكي فعل الحياة، ليدق جرس ما معلق تحت سقف معبد قديم، ليرن في خضم الريح ثم ليصمت فجأة رافضا الخوض مع رياح ذكريات الماضي المتناثرة، يستنكر عقله: لم تستحضرها؟ دعها تتلاشى مع إيقاع ذبذبات الجرس، اتركها مختبئة في طيات الزمن.
وهذا تأكيد على فلسفة الصيني التي تؤسس لمعنى آخر للحياة التي تعنى بأن كل لقاء في هذا العالم هو لقاء بعد فراق طويل، وكل فراق هو للقاءات أفضل، وعلى ذلك فقد قام الزمن بمحو حقائق الماضي وباطله. لم يبق سوى شعور بالراحة بعد استنشاق عبق الشاي واحتساء كوب بعد كوب، حيث تطول الرحلة المقدرة لنا بتهذيب الذات.
خلاصة: البحث عن السلام في أبسط الأشياء
لا تقدم الحياة الضروريات السبع لنعيش في سلام، بل علينا نحن أن نبحث عنها، ونوفرها كي تستقيم لنا الحياة. نحن من نقدم الإجابات الجاهزة حين نمتلك الغرور. كل اختيار نقوم به، وكل قرار نأخذه هو صيغة ما لاحترام الآخرين وقبول الذات. وشتان بين الآخرين والذات، فالماء هو الآخرون والذات هي الشاي والجمر هو الحياة، والأهم هو الطريق الذي منه نستمد مهارة كيفية تحضير أدوات الشاي!
تحضير وإعداد الشاي بحاجة إلى مهارة انتقاء الأجود، وهي مهارة دربها طويل، وعلى الإنسان أن لا يتشبث بصقيع الماضي، بل عليه أن يمضى نحو الشمس يركض نحو الدفء. في الصباح، يعد إبريق شاي ويراقب أشعة الشمس وهي تتسلل عبر ستائر البيت أو عبر خصلات شعر محبوب ما.
ومن خلال رحلة تحضير الشاي تكتمل حالة التأمل ومزج وتداخل النقيضين، ليخرج الإنسان بتنوير كامل، مدركا بعدم جدوى التشبث بالماضي والإجابات الجاهزة، بل يتركه يمضى، وكذلك يدع المستقبل يعانقه، يترك كلا في مادته البكر، ويقدر ذاته باحثا عن السكينة والدفء والسلام في أبسط الأشياء. مع كوب الشاي رسالة مفادها: ابق هادئا متزنا لا متكبرا ولا متواضعا، وكن على يقين أن كدمات الماضي ما هي إلا علامات فخر في مسيرتك، مثلها مثل الغبار الأسود في قعر الإبريق من الجمر. لا تبالي بهذا ولا بتلك، اسع مع الأبخرة العطرة المتطايرة نحو السماء من فم كوب الشاي لتحقيق الآمال التي تنتظرك.



