التسامح كنظام قانوني: كيف يتحول من فضيلة أخلاقية إلى هوية للدولة الحديثة؟
ليس التسامح مجرد فضيلة أخلاقية تُذكر في الخطب والكتب، ولا هو سلوك فردي يختاره الإنسان في علاقاته اليومية فقط، بل يمكن أن يكون -في مراحله المتقدمة- مبدأً مؤسسًا للدولة نفسها، يدخل في بنيتها التشريعية والقانونية، ويصبح جزءًا من تعريفها لذاتها وهويتها السياسية والحضارية.
حوار فلسفي مع الدكتور محمد الخشت
هكذا طرح من مفكر مصري كبير، فقد دار بيني وبين أستاذ الفلسفة الدكتور محمد الخشت حوار ثري حول هذا المعنى تحديدًا: متى يتجاوز التسامح كونه قيمة أخلاقية إلى كونه نظامًا قانونيًا؟ ومتى يصبح جزءًا من مفهوم الدولة الحديثة، لا مجرد دعوة أخلاقية أو خطاب ثقافي؟
وكان حديثه في الحقيقة، إن هناك فرق كبير بين التسامح كفضيلة والتسامح كنظام. فالتسامح كفضيلة يعني أن الفرد يعفو، أو يقبل الاختلاف، أو لا يعادي من يختلف معه في الدين أو الفكر أو الثقافة. هذا مستوى أخلاقي مهم، لكنه يظل مرتبطًا بأخلاق الأفراد وثقافتهم.
من التسامح الفردي إلى المبدأ الدستوري
أما عندما يصبح التسامح إطارًا تشريعيًا وقانونيًا، فهنا نكون أمام مستوى آخر تمامًا؛ حيث لا يُترك الأمر لأخلاق الناس فقط، بل يصبح الاختلاف حقًا يحميه القانون، وتصبح المواطنة أساس العلاقة بين الدولة والأفراد، لا الدين ولا العرق ولا الاتجاه الفكري.
وهنا يتحول التسامح من فضيلة فردية إلى مبدأ دستوري. فالدولة الحديثة في جوهرها لا تقوم على أن الناس متشابهون، بل على أنهم مختلفون، ومع ذلك يعيشون معًا في إطار قانون واحد. فالتنوع ليس مشكلة يجب التخلص منها، بل حقيقة يجب تنظيمها.
تجاوز الصراع بين الأصولية والعلمانية
ومن هنا يظهر مفهوم التسامح الحديث، الذي لا يعني أن يتنازل أحد عن معتقده أو فكره، بل يعني أن يعترف بحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين. وفي هذا الإطار، كما طرحه الدكتور الخشت يصبح التسامح متجاوزًا للصراع التقليدي الذي كثيرًا ما يُطرح بين الأصولية والعلمانية؛ لأن الدولة الحديثة لا تُبنى على انتصار طرف على آخر، بل تُبنى على قواعد عامة تسمح للجميع بالوجود دون إقصاء.
فليست القضية أن تكون الدولة دينية أو علمانية بالمعنى الصراعي، بل أن تكون دولة قانون تحمي التعدد والتنوع. إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الاختلاف، بل الخوف من الاختلاف. وعندما تخاف المجتمعات من التنوع، تتحول إلى مجتمعات منغلقة، وعندما تنغلق، تتوقف عن التقدم.
التسامح كمصدر للابتكار والاستقرار
أما المجتمعات التي تتبنى التسامح كنظام قانوني ومؤسسي، فهي المجتمعات الأكثر قدرة على الابتكار والتقدم والاستقرار؛ لأن كل فرد فيها يشعر أن له مكانًا وحقًا وصوتًا.
لقد أسعدني هذا الحوار كثيرًا، لأنه لا يتحدث عن التسامح بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه مشروعًا لمستقبل أكثر تنوعًا واتساعًا وإنسانية؛ مستقبل لا يقوم على صراع الهويات، بل على إدارة التنوع، ولا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على تنظيمه بالقانون والعدل.
التحدي الحقيقي للدول الحديثة
فربما يكون التحدي الحقيقي أمام الدول الحديثة اليوم ليس فقط تحقيق التنمية الاقتصادية أو التقدم التكنولوجي، بل بناء دولة تستطيع أن تدير الاختلاف بعدل، وتحول التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة. وعندما ينجح المجتمع في ذلك، يمكن أن نقول حقًا إن التسامح لم يعد مجرد فضيلة، بل أصبح جزءًا من هوية الدولة نفسها.
هذا الحوار الفلسفي يسلط الضوء على أهمية تحويل التسامح من مفهوم أخلاقي إلى نظام مؤسسي، مما يعزز قيم المواطنة والتنوع في المجتمعات المعاصرة.



