نافذة على الوعي (9): لا ينهاكم الله عن البر.. حتمية تهنئة غير المسلمين في الإسلام
في محاضرة أكاديمية لطلاب الدراسات العليا حول موضوع التعددية الدينية، ثار نقاش جانبي بين اثنين من الطلاب، مما دفع الدكتور عبد الراضي رضوان إلى التوقف عن الشرح والاستفسار عن سبب هذا الحوار الجانبي. أجاب أحد الطلاب بأن زميله يعتقد أن المحاضرة حول التعددية الدينية تُقدَّم بمناسبة أعياد الأخوة المسيحيين فقط لتبرير جواز تهنئتهم، مستندًا في ذلك إلى ظهور الدكتور في البرامج التلفزيونية التي تنادي بهذا الأمر.
تعجَّب الدكتور رضوان ليس من الموقف نفسه، فهو مألوف في مسيرة التدريس الجامعي، بل من اعوجاج الفكر الذي يربط بين الظهور الإعلامي والرأي الفقهي أو الاعتقاد الديني. كما أشار إلى خطورة تأسيس وجهات نظر فكرية دون أدلة علمية أو مراجع موثوقة. وأكد أن رأيه الشخصي لا يقتصر على جواز تهنئة غير المسلمين، بل يرى ذلك حتميًا وواجبًا على كل واعٍ بمنطلقات الإسلام ومرتكزاته.
الدستور القرآني: البر والقسط كأساس للتعامل
استشهد الدكتور رضوان بالآية القرآنية الكريمة: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". وأوضح أن هذه الآية تمثل دستورًا إلهيًا لتحقيق إنسانية الإنسان في الأخلاق والمعاملات مع المختلفين دينيًا أو فكريًا. فلفظا "البر" و"القسط" هما عماد هذا الدستور، حيث يشير القسط إلى العدل الذي جعله الله من صفاته، بينما البر يتجاوز كونه خلقًا محمودًا ليكون حقيقة الإيمان المتحركة في الواقع.
البر: منظومة متكاملة من الإيمان والعمل
شرح الدكتور رضوان أن مفهوم البر في القرآن لا يقتصر على سلوك جزئي، بل هو منظومة متكاملة تجمع بين الاعتقاد والعمل. واستشهد بآية أخرى: "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ...". وأبرز أن هذه الآية تمثل دستورًا جامعًا يشمل:
- أصول الإيمان بالله واليوم الآخر.
- أعمال البر الظاهرة مثل إيتاء المال وإقامة الصلاة.
- مكارم الأخلاق كالوفاء بالعهد والصبر والصدق.
التلازم العضوي بين الإيمان والبر
أكد الدكتور على أن العلاقة بين الإيمان والبر هي علاقة تلازم عضوي، حيث يغذي الإيمان البر، ويجسد البر الإيمان في الواقع. فالإيمان الحق ليس مجرد تصديق ذهني، بل قوة دافعة تثمر أعمالاً صالحة وسلوكًا راقيًا. وأشار إلى أن هذا التلازم له آثار إيجابية على المجتمع، مثل انتشار العدل وتقوية الروابط الاجتماعية، بينما يؤدي اختلاله إلى انحرافات دينية وسلوكية.
في الختام، دعا الدكتور رضوان إلى بناء الإنسان المسلم الذي يجمع بين صفاء العقيدة وجمال السلوك وسعة الإحسان، مؤكدًا أن تهنئة غير المسلمين جزء لا يتجزأ من هذا البناء، استنادًا إلى التعاليم القرآنية الراسخة.



