ياسر الشيمي يكشف في «متاهة النكران» عن أبطال ثورة 1919 المنسيين واسترداد عدالة الذاكرة
ياسر الشيمي يكشف أبطال ثورة 1919 المنسيين في «متاهة النكران»

ياسر الشيمي: «متاهة النكران» نبش في ركام الصمت واسترداد أرواح أضاءت ليل 1919

في التاريخ الرسمي، توجد «مقصلة» غير مرئية تُقصي من تشاء وتُبقي من تشاء، حيث تتركز الأضواء على القمة ويغرق الجسد في العتمة. لكن الكاتب الصحفي ياسر الشيمي، في كتابه الجديد «متاهة النكران»، قرر أن يمارس دور «المنقب» في مناجم النسيان، ليعيد إلينا عقولا مدبرة وقلوبا فدائية أشعلت الأرض تحت أقدام الإمبراطورية البريطانية خلال ثورة 1919.

مواجهة أخلاقية مع الذاكرة الوطنية المبتورة

هذا العمل يمثل مواجهة أخلاقية مع ذاكرتنا الوطنية المبتورة، وتفكيك «شيفرة الجحود» التي طالت شخصيات مثل قرياقص ميخائيل، وحميدة خليل، وعزيزة خضير، ورفاقهم. إنها رحلة شاقة لاستعادة «عدالة الذاكرة» وإنصاف أبطال لم يطلبوا من الوطن سوى الحرية، فكافأهم التاريخ بالصمت المطبق.

الدافع وراء البحث في سيرة الأبطال المنسيين

عند سؤاله عن الدافع للبحث في سيرة أبطال ثورة 1919 المنسيين، أوضح الشيمي أن شعورا جارفا بالظلم هو ما دفعه لهذا العمل. فثورة 1919 في الوجدان المصري صارت أشبه بصورة فوتغرافية ثابتة يتصدرها الزعيم وحده، بينما تظل الخلفية ضبابية لا ملامح لها. خلال رحلة تنقيبه في الأرشيفات السرية والتقارير البريطانية، بدأت تظهر أسماء «مرعبة» في تأثيرها، كانت تحرك الملايين وتدير أجهزة سرية، ومع ذلك لا نجد لها ذكرا في الكتب الرسمية.

من هم «المنسيون» في سياق الثورة؟

يعرف الشيمي المنسيين بأنهم «شهداء النكران»، أولئك الذين أدوا أدوارا مفصلية غيرت مجرى الأحداث، ثم سُحب من تحت أقدامهم بساط الاعتراف التاريخي. النسيان يتخذ شكلين: الأول عفوي ناتج عن آلية الاختزال التعليمي، والثاني تجاهل شبه عمدي مارسته النخب السياسية التي رغبت في احتكار المجد. أمثلة على هؤلاء تشمل عزيزة خضير التي واجهت المحتل في نزلة الشوبك، وقرياقص ميخائيل الذي خاض حربا إعلامية في لندن.

رحلة البحث والتوثيق التي استغرقت سنوات

فكرة الكتاب ولدت من رحم الدهشة المريرة، حيث وجد الشيمي فجوة هائلة بين ما حدث فعلا وبين ما يُروى. استغرق البحث والتوثيق سنوات طوال من العمل، شملت نبش الأوراق المهملة والصحف الصفراء، والبحث في أرشيفات المحاكم والتقارير الأمنية للاحتلال. كان التوثيق عملية معقدة أشبه بإعادة بناء تمثال محطم، بهدف صياغة وثيقة تاريخية متماسكة.

قصص صادمة كشفتها رحلة البحث

من بين القصص الأكثر تأثيرا، قصة حميدة خليل، التي سقطت كأول شهيدة للثورة في 14 مارس 1919، ثم مر قرن دون أن يعرف اسمها الغالبية العظمى من المصريين. كذلك، صدمته قصة عزيزة خضير وتضحياتها الأسطورية في ريف مصر، وكيف طُمست البطولات النسائية الشعبية.

المصادر الأساسية للتوثيق

اعتمد الشيمي على «مثلث المعرفة» الذي يضمن الحقيقة: الصحافة المعاصرة، مذكرات القادة والفاعلين، والأرشيف البريطاني وتقارير المخابرات. كانت تقارير الاحتلال، للمفارقة، منصفة لهؤلاء الأبطال أكثر من بعض المصادر المحلية، لأنها اعترفت بتأثيرهم الطاغي.

الرسالة للأجيال الجديدة

الرسالة الجوهرية من هذه القصص هي أن البطولات العظيمة لا تحتاج دائما إلى أضواء أو مناصب، وأن الإنسان البسيط قادر على تغيير مسار التاريخ إذا ملك الإرادة. يريد الشيمي من الشاب المصري اليوم أن يدرك أن استقلال بلاده انتُزع بفضل تضحيات «نجار» و«فلاح» و«قسيس» و«شيخ» و«امرأة» و«طفل».

دور المناهج الدراسية في تهميش الشخصيات

أكد الشيمي أن التركيز المفرط على الخطوط العريضة في المناهج التعليمية أدى إلى تهميش التفاصيل الحيوية التي صنعت روح 1919. المناهج لم تتناول أدوارا أساسية مثل قرياقص ميخائيل وعزيزة خضير، مما خلق جيلا يجهل الملاحم الإنسانية للثورة. كتابه محاولة لتقديم مادة معرفية بديلة تصحح هذا المسار.

أصعب القصص من الناحية الإنسانية

القصص التي تتداخل فيها التضحية الوطنية بالانكسار الشخصي هي الأكثر إيلاما، مثل قصة البكباشي محمد كامل وأحمد عبد الحي كيرة، اللذين عاشا حياة الأشباح وماتا في غربة ونسيان. الصعوبة تكمن في نقل إحساس الخذلان دون إفراط في العاطفة، مع الحفاظ على وقار البطولة.