تحل اليوم ذكرى رحيل المخرج والكاتب عصام الشماع، الذي يُعد واحداً من القلائل الذين جمعوا بين الطب والإبداع، وبين الثقافة العميقة والقدرة على الحكي، فخرجت أعماله مختلفة وجريئة وقريبة من الواقع الإنساني بكل تعقيداته. لم يكن مجرد صانع أفلام، بل عقلاً مثقفاً حمل رؤية خاصة، ونجح في تحويلها إلى أعمال تمزج بين الفن والفكر.
النشأة والتكوين الثقافي
ولد عصام الشماع في 29 سبتمبر عام 1955 في القاهرة، ونشأ في فترة الستينيات التي وصفها لاحقاً بأنها زمن الفن الحقيقي والثقافة الواسعة. كان منذ صغره مولعاً بالقراءة، فاطلع على أعمال كبار الأدباء مثل طه حسين ونجيب محفوظ، وقرأ في الفلسفة لهيجل وسارتر، ما كون لديه عقلاً نقدياً ورؤية مختلفة للحياة.
ورغم هذا الشغف الثقافي، اتجه إلى دراسة الطب، فالتحق بكلية الطب بجامعة عين شمس، وتخرج عام 1982. لكنه لم يتخل عن حبه للفن، بل ظل يكتب ويشارك في الأنشطة الأدبية داخل الجامعة، حتى عُرف بين أصدقائه بلقب "المثقف".
البداية في عالم الفن
لم يدخل الشماع عالم الفن بشكل تقليدي، بل جاءت البداية عبر الصدفة، حين رشحه أحد أصدقائه لكتابة حوار مسرحي، فاكتشف الجميع موهبته في الكتابة. ومن هنا بدأ يتجه تدريجياً نحو الدراما، حيث كانت الانطلاقة الحقيقية من خلال الفيلم التليفزيوني "طالع النخل" عام 1988، الذي أنتجه اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، وقدمه بالتعاون مع المخرج محمد فاضل، وشارك في بطولته هشام سليم وفردوس عبد الحميد. وركز العمل على حياة المهمشين في الريف، وهي سمة ظهرت لاحقاً في كثير من أعماله.
مسيرته السينمائية
انطلق بعد ذلك بقوة في عالم السينما، فكتب عدداً من الأفلام المهمة التي حققت نجاحاً كبيراً، من أبرزها: فيلم "الأراجوز" عام 1989 بطولة عمر الشريف، والذي قدم فيه رؤية فلسفية لعلاقة الإنسان بذاته، ثم فيلم "كابوريا" عام 1990 مع أحمد زكي، الذي أثار جدلاً بسبب نهايته التي أصر الشماع على عدم تغييرها متمسكاً بالقيمة الأخلاقية للعمل. كما كتب أفلاماً أخرى مثل: "دنيا عبدالجبار" (1992)، "توت توت" (1993)، "الجنتل" (1996)، و"النمس" (2000)، متعاوناً مع كبار النجوم مثل محمود عبد العزيز.
لم يكتف بالكتابة، بل اتجه إلى الإخراج ليقدم رؤيته بشكل كامل، فقدم أفلاماً مثل "مجانينو"، و"رجل مهم جداً"، ثم فيلم "الفاجومي" عام 2011، الذي تناول سيرة الشاعر أحمد فؤاد نجم، مقدماً العمل بأسلوب مختلف بعيداً عن التقليدية.
الدراما التليفزيونية
في بداية الألفية، اتجه الشماع إلى الدراما التليفزيونية، وقدم أعمالاً تحمل أفكاراً جديدة، منها: "رجل في زمن العولمة" (2002)، "نافذة على العالم" (2007)، "قمر 14" (2008)، ثم مسلسل "الكبريت الأحمر" بجزأيه (2017)، والذي جمع بين الدراما والتشويق وحقق نجاحاً جماهيرياً.
النشاط النقابي وآخر الأعمال
في عام 2011، تم انتخابه رئيساً لمجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما. وكان آخر أعماله فيلم "أخلاق العبيد" عام 2017، حيث كتب السيناريو والحوار، وناقش من خلاله اضطرابات النفس البشرية وتأثير السلطة والمال على الإنسان.
الرحيل والإرث
في مساء الأحد 29 أبريل 2024، رحل عصام الشماع عن عمر ناهز 69 عاماً بعد صراع مع المرض. شُيعت جنازته من مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة، بحضور عدد من الفنانين، ونعته نقابة المهن التمثيلية برئاسة أشرف زكي، وسط حالة من الحزن في الوسط الفني.
برحيله، فقدت السينما المصرية عقلاً مبدعاً لم يكن يسعى فقط للنجاح، بل كان يبحث عن المعنى، تاركاً وراءه أعمالاً تُشاهد وتحلل، لأنها لم تكن مجرد حكايات، بل كانت انعكاساً لفكر عميق وتجربة إنسانية ثرية.



