الشيخ زكريا أحمد: رحلة تمرد من المشيخة إلى قمة الفن
في ذكرى رحيله، يظل الشيخ زكريا أحمد أحد أبرز أعلام الموسيقى العربية، حيث تمرد على تقاليد أسرته وخلع عمة المشيخة ليتبع شغفه بالفن. وُلد عام 1896 لأب حافظ للقرآن، وكان من المفترض أن يسير على خطاه كقارئ، لكن موهبته الصوتية قادته إلى عالم الإنشاد والموسيقى.
بداية الرحلة: من كتاب القرية إلى الأزهر
عندما اكتشف والده ميوله الموسيقية، سلمه للشيخ درويش الحريري لتعليمه كهاوٍ، بينما استمر في حفظ القرآن. التحق لاحقاً بالأزهر الشريف، حيث ذاع صيته بين زملائه كقارئ ومنشد، لكن قلبه كان متعلقاً بالطرب.
تمرد وخلع العمة: الهروب إلى عالم الفن
قرر زكريا أحمد، كما كان يُلقب، ترك بيت والده وخلع العمة، ليهيم على وجهه مع مشايخ الغناء في القرى والنجوع. عند استقراره في القاهرة، ارتاد المسارح الغنائية وبدأ في تلحين الأوبريتات، حيث قدم 56 أوبريتاً، أشهرها "عزيزة ويونس" و"يوم القيامة" الذي حضرها الملك بنفسه.
شراكة تاريخية مع أم كلثوم
ارتبط اسم زكريا أحمد بأم كلثوم منذ بداياته، حيث قدم لها أول لحن عام 1931 بعنوان "اللى حبك يا هناه". استمرت هذه الشراكة لسنوات، حيث لحن لها في أفلامها الستة، خاصة الأغاني البدوية، ليصل إجمالي ألحانه لها إلى 63 لحناً.
ثلاثي فني أسطوري: زكريا وبيرم وأم كلثوم
كون زكريا أحمد ثلاثياً فنياً مع الشاعر بيرم التونسي وصوت أم كلثوم، حيث قدموا معاً أكثر من 65 أغنية. من أبرزها "الورد جميل" و"هو صحيح الهوى غلاب"، التي كانت آخر تعاون بينهم بعد قطيعة استمرت أكثر من عشر سنوات بسبب خلافات مادية.
إسهامات سينمائية وتحديات
ساهم زكريا أحمد في الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام، منها أفلام أم كلثوم السبعة، كما لحن لأفلام مثل "نرجس" و"حبيبتي سوسو". واجه اتهامات بالإسفاف عندما قدم أغنية "ارخي الستارة اللى في ريحنا"، لكنه استمر في إبداعه.
نهاية الرحلة وحزن عميق
قبل رحيله، تأثر زكريا أحمد بانتحار ابنه يعقوب واختفاء ابنه إحسان، لكن إيمانه القوي دفعه للاستمرار في التلحين حتى آخر يوم. رحل في 14 فبراير 1961، في الذكرى الأربعين لوفاة صديقه بيرم التونسي، تاركاً إرثاً فنياً خالداً.