كتاب "التلاوة المصرية" يكشف أسباب انطفاء الفن ويطرح اختبار الـ30 سؤالًا لتصحيح المسار
كتاب "التلاوة المصرية" يكشف أسباب الانطفاء ويطرح اختبارًا للإصلاح

كتاب "التلاوة المصرية" يوثق رحلة الفن من التوهج إلى الانطفاء ويطرح حلولًا جذرية

في تحليل عميق ومفصل، يعود الناقد الموسيقي هيثم أبو زيد في كتابه القيم "التلاوة المصرية.. قصة التوهج ومسارات الانطفاء" ليضع يده على الجرح النازف لفن التلاوة في مصر، حيث يرصد أسباب التراجع والتدني الذي أصاب هذا الفن العريق، ويطرح رؤية شاملة للخروج من الأزمة التي استمرت لعقود.

غياب النقد المحكم وأثره المدمر

يؤكد الكتاب أن غياب النقد المحكم لأداء القراء على مدى العقود الماضية يعد أحد الأسباب الرئيسية لانحدار فن التلاوة، حيث أدى السكوت عن الأخطاء البسيطة للقراء المتقدمين إلى تحويل هذه الهنات من الهامش إلى القلب في أداء الأجيال اللاحقة.

ويشير أبو زيد إلى أن انعدام النقد أدى إلى ظهور طبقة من "السوقة والجهلاء وأصحاب الفراشات" الذين يبجلون قراءهم بشكل مبالغ فيه، ويلقبونهم بألقاب وهمية مضحكة مثل: ملك القراء، حكمدار القراء، جنرال القراء، قيصر القراء، وأستاذ الجيل.

إرهاصات التدهور والانحراف عن المسار الكلاسيكي

يؤرخ الكتاب لبدايات التدهور التي ظهرت بعد منتصف ستينيات القرن الماضي، حيث بدأ الانحراف عن النمط الكلاسيكي الموروث، وبدأت "الأصوات الريفية" تتسلل إلى الأثير الإذاعي، وهي الأصوات التي تتسم بالجهارة والخشونة والبساطة في الإنتاج والإدارة.

ويوضح المؤلف الفرق بين القارئ الريفي الذي يستخدم جملًا موسيقية مسطحة وزاعقة، والقارئ الحضري الذي يوظف المقامات بتؤدة ويحاكي أداء الطرب الكلاسيكي بانضباط ودقة.

زلزال السبعينيات وتأثير الطبلاوي وعنتر مسلم

يشير الكتاب إلى أن عقد السبعينيات شهد ما يشبه الزلزال في فن التلاوة مع اعتماد الإذاعة للقارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الذي دشن "التلاوة الاستعراضية" التي تركز على النفس الطويل كقيمة قائمة بذاتها، مما أدى إلى تراجع البنية المقامية الهادئة.

كما يتناول الكتاب سيرة القارئ عنتر مسلم الذي كسر قواعد قراءة القرآن وعلوم القراءات، واخترع قراءات لا وجود لها في القراءات المعروفة، مما أثار إعجاب فئات محدودة الثقافة.

مسؤولية لجان الاختبار وتداعيات الضعف

يحمل الكتاب لجان الاختبار بالإذاعة المسؤولية الأكبر في تعاظم الانحراف، حيث تخلت عن القواعد الصارمة التي أفرزت الجيل الأول من القراء، وتحولت من مؤسسة مرهفة الذوق إلى منصة تخضع لمعايير المجاملة.

ويؤكد أن هذا الضعف أدخل فن التلاوة في أزمة عميقة، وأتاح للمقلدين والانتهازيين السيطرة على المشهد، مما أفقد مصر مكانتها الريادية التي احتكرتها لعقود.

سماسرة العزاءات ومافيا السرادقات

يستطرد الكاتب في تحليل المشهد المعاصر، حيث يصف كيف أصبح القراء الجدد مادة دعائية في أيدي "سماسرة العزاء ومافيا الحفلات"، خاصة مع استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأنفسهم.

وتبلغ المهزلة ذروتها -حسب الكتاب- عندما يدشن قراء أصحاب أصوات منفرة وأداء خشن مراكز لتدريب قراء جدد، مما يقود إلى تشكل مؤسسات زائفة لا تنتج سوى الرداءة.

اختبار الـ30 سؤالًا كحل جذري

في ختام الكتاب، يطرح أبو زيد على لجان الاختبار بالإذاعة اختبارًا من ثلاثين سؤالًا يجب أن يخضع له القراء الجدد، ولا يتم اعتماد أي قارئ دون اجتياز هذا الاختبار الذي يقيس صلاحيته في أربعة مستويات:

  1. الحفظ
  2. التجويد
  3. الصوت
  4. الأداء

ويشترط أن يكون الحد الأدنى للنجاح 95%، لضمان اختيار قارئ محترف ومتميز قادر على تصويب المسار وإعادة الفن إلى أصله.

رؤية مستقبلية لإعادة البناء

يؤكد الكتاب على ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين التلاوة والجمهور، وبين القارئ ودكة التلاوة، وبين التراث والوعي المعاصر، مع التشديد على أن هذا الفن الذي يحمل أعظم نصوص اللغة العربية لم يعد مقبولًا أن يستمر بلا حراسة نقدية.

ويرى أن استعادة التلاوة المصرية عرشها المفقود مشروط بظهور عقل نقدي موازٍ، وإعادة بناء الذوق الجمعي على معايير الجمال، لا على رموز السلطة الدينية أو الهالات الزائفة.