تأملات القاضي أحمد الزيني في رحلة البرزخ بين الفناء والبقاء
تأملات القاضي الزيني في رحلة البرزخ

لم يقتصر نبوغ القاضي أحمد الزيني على كونه أحد أبرز الشخصيات القانونية التي بلغت ذروة التميز العلمي والمهني، حيث تمت ترقيته مؤخراً كأصغر نائب لرئيس مجلس الدولة، بل إن كل من اقترب منه وعرفه شهد له بخياله الخصب وقدرته على توليد الأفكار الغنية والإبداعية، وتصويره للأمور الفلسفية بحس تأملي وخواطر إيمانية غير نمطية.

رحلة تأملية في عالم البرزخ

أعجبتني تأملاته الأخيرة الصادقة في رحلته المثيرة إلى عالم البرزخ كمحطة فاصلة بين داري الفناء والبقاء، بعد تعرضه لهزة قاسية لحظة رحيل والديه في زمن قياسي متقارب، فوصف تجربته بمشاعر راضية: "اللهم ارحم أبي وأمي.. تذكرتهما في رحلة للبرزخ بعد انتقالهما إلى الرفيق الأعلى".

مع اختراق الحجب ومغادرة الأرض، حيث الكون الفسيح وأضواء النجوم المندثرة التي لا يزال نورها ساطعاً رغم فنائها من آلاف السنين، تحول إلى طيف نوراني يتأمل ذلك الكوكب المليء بالأحقاد والذي نتصارع فيه على الدنيا.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بوابة البرزخ وشلال الأرواح

وصل إلى بوابة البرزخ ليتطلع إلى فيضان الأرواح التي تتطاير من الأرض بأعداد مهولة في كل لحظة بعد أن حصدها ملك الموت في موسم جني البشر المستمر على مدى الفصول الأربعة، متجهة إلى الدار المؤقتة بين الدنيا والآخرة في صورة شلال من الأضواء المبهرة. لتصرخ الأرواح الصاعدة باستغاثات بكل اللغات في أول تلاقي بالحقيقة المطلقة، كل حسب عقيدته التي وقرت في قلبه.

تتضارب الاستغاثات بنبرات متباينة تحمل أصوات رجال ونساء وأطفال وعجائز: هذه تنادي على رب محمد، وهذا يقول يا يسوع، وآخر ينادي أدوناي، ونفر منهم يتساءل: "يا للهول! أهناك حقاً حياة بعد الموت؟ هل صدق الأنبياء والرسل الذين كنا نعتبر رسالتهم محض خيال من صنيع بشر مثلنا؟"

تيار الأرواح الهابطة

على الجانب الآخر، كان هناك تدفق من أرواح هابطة من الملكوت الأعلى في طريقها إلى الأرحام في شتى أنحاء العالمين، حيث منابت بشر جدد ينتظر القلم أفعالهم ليخطها في صحائف أعمالهم التي لا تزال كأعجاز نخل خاوية، متساوين في ذلك مع نقاء الملائكة قبل تدوين أول سيئة.

وفي غمرة هذا المشهد المهيب لتلاقي أرواح الموتى الصاعد مع تيار أرواح البشر الجدد الهابط، سأل نفسه السؤال الأبدي الذي لطالما أرققه وتردد في قرارة نفسه: لماذا يتصارع البشر على التوافه والصغائر، ونظن أننا محور الكون بينما لا نساوي عند الرب جناح بعوضة في ملكوته الهائل وأكوانه الفسيحة الممتدة والمتمددة بلا نهاية؟

صرخة الندم في الملأ الأعلى

وارتعدت فرائصه وهو يتابع ذلك المشهد الذي يفوق خيال البشر على أعتاب بوابة عالم الحقيقة والشهادة، وترددت جنبات نفسه: "لو رأيتم دنياكم من أعلى كما رأيتها، لما أتاكم النوم ولهمتم في الطرقات كالمجاذيب خاشعين عابدين تتضرعون إلى الجليل".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك. لو عاد إليكم الموتى ليخبروكم بما عايشوه وهم يخترقون الحجب ويصعدون للسماوات العلا، وكيف وجدوا حقيقة عالمهم الدني، وتبيانهم لحقيقة دنياكم الزائلة وحجمها الحقير حين انطلقت صرخاتهم ترج ساحات الملأ الأعلى ندماً على ما بدر منهم حين كانوا أحياء.. لربما اختلف كل شيء. أبداً لن تدركوا الحقيقة كما أدركتها مهما حاولتم تخيلها إلا حين تصبحون في العالم الآخر، حيث الحقيقة المجردة التي لا تسعفها الكلمات، ولن تدركها حواسكم القاصرة، ستعبر الحقيقة لقلوبكم وتستقر في وجدانكم وتصبح يقيناً أبدياً لا رجوع عنه، لكن بعد فوات الأوان!