تمر اليوم الذكرى الخامسة والثلاثون لرحيل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، الذي رحل في مثل هذا اليوم عام 1991، تاركًا إرثًا فنيًا ضخمًا يضم أكثر من 1800 لحن، وأعمالًا سينمائية ومسرحية لا تزال خالدة في ذاكرة الفن العربي.
نشأة موسيقار الأجيال
ولد محمد عبد الوهاب في حي باب الشعرية بالقاهرة، في أوائل القرن العشرين، وتحديدًا عام 1901 أو 1910 حسب بعض المصادر. لم يعرف تاريخ ميلاده بدقة، لكنه كان يرى أن يوم ميلاده هو أتعس أيام العام لأنه يعني مرور سنة من عمره. عشق الموسيقى منذ صغره، وبدأ مسيرته الفنية مطربًا في فرقة فؤاد الجزايرلي عام 1917، حيث غنى باسم مستعار "محمد البغدادي" مقابل 50 قرشًا في الليلة، وذلك خوفًا من اكتشاف أسرته. وعندما علم شقيقه الشيخ حسن بالأمر، تعرض عبد الوهاب للضرب واضطر لترك المسرح والعودة إلى المنزل، لكنه هرب لاحقًا وسافر مع فرقة إلى دمنهور، حيث عمل في السيرك وتعرف على الشيخ سيد درويش، وعمل معه في روايتي "الباروكة" و"شهرزاد".
لقاء مع أمير الشعراء
كان اللقاء الأول بين محمد عبد الوهاب وأمير الشعراء أحمد شوقي في مسرح برنتانيا، حيث كان عبد الوهاب يغني في إحدى الروايات مع فرقة عبد الرحمن رشدي. غضب شوقي لتأخر الوقت في الليل، وأبلغ الحكمدار لمنع عبد الوهاب من الغناء. يقول عبد الوهاب عن هذه الحادثة: "كرهتُ شوقى لمحاولته منعى من أجمل شيء في حياتي وهو الغناء". لكن اللقاء الثاني كان مختلفًا، حيث التقى به في كازينو "سان ستيفانو" بالإسكندرية، واستمع إليه وهو يغني دور "جددي يا نفس حظك" لمحمد عثمان. عندها استدعاه شوقي وقال له: "استمعتُ إليك وأنت تغنى بصوتك الجميل، وكان منعى لك في مصلحتك لأنى أخاف على صوتك وموهبتك أن تضيع هباء، أما اليوم فأنا مطمئن عليك لأنك كشاب بدأت الطريق الصحيح". منذ تلك اللحظة، تبنى شوقي عبد الوهاب ودعمه، لكنه تعرض لهجوم من النقاد مثل إبراهيم عبد القادر المازني وعباس العقاد، الذين وصفوه بأنه لا يصلح للغناء، لكنهم تراجعوا لاحقًا بعد سماعه.
مسيرة فنية حافلة
قدم محمد عبد الوهاب أكثر من 1800 لحن خلال مسيرته، وتوقف عن الغناء لأكثر من عشرين عامًا، ثم عاد بأغنية "من غير ليه" التي اعتبرها النقاد نقلة جديدة في عالم الغناء. لحن لكبار المطربين والمطربات مثل عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية، وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وأم كلثوم التي لحن لها أغنية "أنت عمري" في تعاون عُرف بـ"لقاء السحاب".
في السينما
شارك عبد الوهاب في سبعة أفلام روائية مع بداية السينما الناطقة، منها: "الوردة البيضا"، "يوم سعيد"، "ممنوع الحب"، "دموع الحب"، "يحيا الحب"، "رصاصة في القلب" (أول فيلم يكتبه توفيق الحكيم للسينما)، و"لست ملاكًا". وقف لأول مرة أمام الكاميرا في فيلم "الوردة البيضا"، حيث واجه صعوبات بسبب ضعف نظره وعدم قدرته على التصوير بدون نظارة، مما كان سببًا في اعتزاله السينما لاحقًا. كما يُعتبر أول مطرب عربي يقدم الفيلم الغنائي من خلال فيلمه الثاني "دموع الحب".
ألقاب وتكريمات
حصل محمد عبد الوهاب على العديد من الألقاب والتكريمات، منها: لقب "الموسيقار العربي الأول" من مجمع اللغة العربية عام 1975، ولقب "الفنان العالمي" من جمعية المؤلفين بباريس عام 1983، ولقب "اللواء" في عهد الرئيس السادات. كما أُطلق عليه ألقاب محلية مثل: "الأستاذ"، "البلبل"، "أمير الطرب"، "زعيم المجددين"، "كروان الشرق"، "مطرب الصبا والجمال"، "موسيقار الجيلين"، و"صاحب الأسطوانة البلاتينية".
رحل محمد عبد الوهاب عن عمر يناهز 90 عامًا، تاركًا إرثًا فنيًا لا يُقدّر بثمن، وما زالت أعماله تُخلد ذكراه في قلوب محبي الفن العربي.



