عبد الفتاح القصري: ضحكة السينما المصرية وصاحب أطول مائدة رحمن في شبرا
عبد الفتاح القصري: نجم كوميديا وأطول مائدة رحمن

عبد الفتاح القصري: ضحكة السينما المصرية وصاحب أطول مائدة رحمن في شبرا

في ذكرى رحيله، يُعد الفنان عبد الفتاح القصري واحدًا من أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية، حيث صنعت ملامح وجهه المميزة وحول عينيه وقامته القصيرة وأسلوبه الخاص في الأداء شخصية فنية متفردة أحبها الجمهور لسنوات طويلة. ولم يقتصر حضوره على الشاشة فقط، بل عُرف أيضًا بحبه لعمل الخير، إذ اعتاد خلال شهر رمضان إقامة مائدة رحمن سنوية في حي شبرا اعتُبرت من أطول الموائد التي أقامها فنان في المنطقة، ورحل الفنان الكبير في مثل هذا اليوم عام 1964.

النشأة والبدايات الفنية

ولد عبد الفتاح القصري عام 1905 في حي الجمالية بالقاهرة لأسرة ميسورة الحال، حيث كان والده يعمل جواهرجيًا. حرص والده على تعليمه، فالتحق بمدرسة الفرير وأتقن اللغة الفرنسية، قبل أن يعمل لفترة مع والده في تجارة الصاغة، لكن شغفه الحقيقي كان المسرح، إذ اعتاد في أوقات فراغه الذهاب إلى مسرح الكلوب المصري لمشاهدة عروض الفنان فؤاد الجزايرلي، وهو ما أشعل بداخله حب الفن. مع مرور الوقت، انتقل للعيش في حي شبرا بين عدد من الفنانين، ليصبح لاحقًا أحد رموز هذا الحي الفني.

مائدة رحمن للشبراوية

كان عبد الفتاح القصري يحرص على صيام شهر رمضان كاملًا حتى في أيام البروفات والعمل، كما اعتاد توزيع الطعام على المحتاجين من جيرانه. بعد الإفطار، كان يجتمع يوميًا مع أصدقائه من الفنانين وأبناء شبرا في إحدى المقاهي. ومن أبرز عاداته الخيرية إقامة أول وأطول مائدة رحمن في شبرا خلال شهر رمضان، حبًا في إطعام الفقراء، وكان يردد دائمًا: «خلّي الفقير يشبع». استمر في هذه العادة لسنوات طويلة حتى تدهورت حالته الصحية وأصيب بالعمى، ما اضطره للتوقف عن التمثيل.

بداياته الفنية وتجربة الصحافة

بدأ القصري مشواره الفني بتقديم المونولوجات الكوميدية على المسرح بين فواصل الفقرات، ثم انضم إلى فرقة عبد الرحمن رشدي، وبعدها انتقل للعمل مع فرقة جورج أبيض كمغنٍ، قبل أن يخوض تجربة التمثيل التي لم تكن موفقة في بدايتها، إذ تعرض لانتقاد شديد بعد أحد الأدوار. لاحقًا، انتقل إلى فرقة نجيب الريحاني، الذي منحه فرصة حقيقية وقدّم من خلاله شخصية ابن البلد الفهلوي الذي يعمل حانوتيًا في مسرحية «محدش واخد منها حاجة» عام 1940، لتكون نقطة انطلاقه نحو الشهرة.

لم يكن التمثيل وحده شغف القصري، إذ حاول دخول عالم الصحافة الفنية، فعمل محررًا في مجلة الفن، وكان يتوقع أن يحقق نجاحًا كبيرًا في هذا المجال، لكنه لم ينجح في التجربة وعاد سريعًا إلى المسرح مجددًا مع فرقة نجيب الريحاني، ثم انتقل لاحقًا للعمل مع فرقة إسماعيل يس.

السينما وأشهر الأعمال

اتجه عبد الفتاح القصري بعد ذلك إلى السينما، وشارك في عدد كبير من الأفلام بعد ظهوره مع نجيب الريحاني في فيلم «سي عمر». بلغ رصيده نحو 125 فيلمًا، قدم خلالها أدوارًا كوميدية ثانوية لكنها تركت أثرًا كبيرًا لدى الجمهور، خاصة شخصية السنيد وابن البلد الساذج. ومن أشهر أفلامه:

  • سكر هانم
  • الآنسة حنفي
  • الأستاذة فاطمة
  • لو كنت غني
  • حماتي قنبلة ذرية
  • ابن حميدو
  • المعلم بحبح
  • السوق السوداء
  • العقل في إجازة

سنواته الأخيرة والرحيل

في سنواته الأخيرة، عانى القصري من متاعب صحية عديدة أجبرته على الابتعاد عن العمل، ما تسبب في أزمة مالية قاسية. كما حجزت مصلحة الضرائب على راتبه بسبب متأخرات ضريبية تعود إلى سنوات عمله مع فرقة إسماعيل يس، وزادت معاناته بعد أن تركته زوجته واستولت على ممتلكاته، ليدخل في حالة من الاكتئاب ويصاب بالعمى. في تلك الفترة، قررت نقابة الممثلين صرف معاش شهري له قدره عشرة جنيهات، إلى أن رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1964، تاركًا خلفه تاريخًا فنيًا حافلًا بالضحكات التي ما زالت حاضرة في ذاكرة السينما المصرية.