احتفالاً باليوم العالمي للكتاب، انطلقت اليوم فعاليات الملتقى العلمي الأول الذي تنظمه الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، برئاسة الدكتور أسامة طلعت، وبالتعاون مع كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وذلك بقاعة علي مبارك بدار الكتب.
حضور رفيع المستوى
شهدت الجلسة حضور الدكتور أحمد رجب، نائب رئيس جامعة القاهرة، والدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم، بالإضافة إلى الدكتور مينا رمزي رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، والناقد الدكتور أيمن فؤاد السيد، والدكتور صفوت علي صالح وكيل كلية دار العلوم.
مصر مهد الكتاب والعلم
قال الدكتور أحمد رجب نائب رئيس جامعة القاهرة: إن اهتمام مصر بالكتاب ليس وليد اللحظة، بل هو ضارب في عمق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف عام. واستشهد بنصيحة الحكيم إيبور لابنه حين حثه على الاجتهاد ليكون كاتبًا، وهي الوظيفة التي كانت تمثل قمة الهرم المعرفي والاجتماعي في مصر القديمة، مما يبرهن على أن مصر هي التي قدمت للعالم مفهوم الكتاب بمختلف صوره، من برديات ولفائف ومخطوطات.
وأكد نائب رئيس جامعة القاهرة على أن جذور العلوم العالمية، من طب وهندسة وفلك، تعود في أصلها إلى الحضارة المصرية القديمة، موضحًا أن النهضة اليونانية لم تتحقق إلا بعد ترجمة التراث المصري، وكذلك العرب في العصر العباسي، حيث بلغت قيمة الكتاب ذروتها في عهد الخليفة المأمون الذي كان يمنح المترجمين وزن كتبهم ذهبًا، إدراكًا منه بأن المعرفة لا تُقدر بثمن، حتى وإن كانت المخطوطات ثقيلة الوزن لكونها من جلود الحيوانات. وأضاف أن أوروبا نفسها لم تعرف عصر النهضة إلا بعد أن نهلت من التراث العربي المترجم.
وفي كشف علمي مثير، استعاد الدكتور أحمد رجب ذكريات عمله كملحق ثقافي في مدن طريق الحرير (2007-2011)، حيث نجح في توقيع اتفاقية تعاون تاريخية بين دار الكتب المصرية والجانب الأوزبكي، وأعلن أن هذه الاتفاقية أتاحت لمصر فرصة الحصول على 300 مخطوط عربي نادر، كان من أبرزها مخطوط لم ينشر بعد لـ ابن سينا، يضم مائة تجربة علمية فريدة، منها ابتكار جهاز لكشف الرطوبة سبق به علماء الغرب بقرون، مما يؤكد أن ما نستعيده اليوم هو بضاعتنا التي رُدّت إلينا، فأصل العلم في الكيمياء والصيدلة والهندسة كان وما زال مصريًا.
دار الكتب تمتلك أندر المخطوطات في العالم
وأشار الدكتور أسامة طلعت رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، إلى أن هذه التظاهرة العلمية والثقافية تأتي لمشاركة العالم احتفالاته باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف؛ ذلك اليوم الذي اختارته اليونسكو منذ عام 1995 تخليدًا لذكرى رحيل عمالقة الأدب العالمي مثل شكسبير وسرفانتس. وأكد أن الهدف من هذه الفعاليات هو تسليط الضوء على قيمة الكتاب وتداوله باعتباره الوعاء الحقيقي للعلم، والمحرك الأساسي لصناعة الوعي الإنساني.
وأوضح رئيس الهيئة أن المشاركة بـ معرض مستنسخات المخطوطات تأتي لتعريف الأجيال بأن هذه المخطوطات كانت هي الكتب في العصور القديمة والوسطى قبل ابتكار الطباعة، مشيرًا إلى أن دار الكتب المصرية تمتلك واحدة من أقيم وأندر المجموعات المخطوطة على مستوى العالم، وفي مقدمتها مجموعة المصاحف التي تم إدراج أجزاء منها على قائمة ذاكرة العالم باليونسكو، لتصبح رسميًا جزءًا لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي. وشدد على أن التراث المصري هو القيمة المضافة الحقيقية للتراث العالمي.
واختتم الدكتور أسامة طلعت كلمته برسالة وطنية مؤثرة، مؤكدًا أن دار الكتب والوثائق القومية هي بيت المصريين جميعًا، وليست ملكًا لمسؤول أو إدارة، بل هي أمانة تاريخية تقع مسؤولية الحفاظ عليها وصونها بالنواجذ على عاتق الجميع، لتسلم للأجيال القادمة وهي في أبهى صورها وأكثر ثراءً.
علي باشا مبارك صاحب فكرة انتشار المدارس في القرى
من جانبه أكد الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم، أن العلاقة بين دار العلوم ودار الكتب ليست مجرد علاقة تعاون مؤسسي، بل هي وحدة وجود ونشأة؛ فالمؤسس واحد، والروح التي بعثت فيهما الحياة واحدة.
واستدعى بلبولة ملامح من حياة الرائد علي باشا مبارك، مشيرًا إلى أنه لولا هذا الرجل العظيم لما تعلمت أجيال من المصريين، فهو صاحب فكرة انتشار المدارس في النجوع والقرى. وتوقف بلبولة عند المفارقة القدرية في حياة مبارك؛ حين سُجن بسبب خطأ حسابي بسيط في توريد القمح، فكان السجن بوابته للتعرف على مدرسة قصر العيني ومن ثم البعثة إلى باريس عام 1845، ليعود بعبقرية نادرة غيّرت وجه مصر الثقافي والتعليمي.
وأشار عميد دار العلوم إلى ضرورة استلهام تجربة علي باشا مبارك في التراكم المعرفي، داعيًا إلى عدم الاكتفاء باستيراد النظريات وتطبيقها، بل تأمل كيف استطاع هذا الرجل البسيط حل معضلات التعليم في زمن الاحتلال. وأبدى إعجابه الشديد بالشخصية الموسوعية لمبارك، المهندس الذي لم يضع فواصل مصطنعة بين العلوم التطبيقية والعلوم العربية، فكتب أول رواية علم الدين، وصاغ الخطط التوفيقية، وجمع في كتاباته بين الهندسة والحديث النبوي، والقرآن الكريم، والشعر العربي، والآثار.
ودعا الدكتور بلبولة في كلمته إلى ضرورة ترسيخ الفكرة التكاملية في المناهج والمطبوعات الحديثة، والتركيز على نشر مؤلفات الرواد التي تذيب الفوارق بين العلم والأدب.



