مكتبة الإسكندرية تعرض قطعة أصلية من كسوة الكعبة والمحمل الشريف
مكتبة الإسكندرية تعرض كسوة الكعبة والمحمل الشريف

في الوقت الذي تتجه فيه قلوب المسلمين إلى الأراضي المقدسة مع اقتراب موسم الحج، وتتهيأ البيوت لاستقبال عيد الأضحى بما يحمله من دلالات روحية تتعلق بالفداء والتجرد، تفتح مكتبة الإسكندرية نافذة نادرة على فصل بالغ الأهمية من التاريخ الإسلامي، من خلال عرض قطعة أصلية من كسوة الكعبة المشرفة تعود إلى عام 1243هـ / 1828م، إلى جانب "المحمل الشريف"، في مشهد يعيد إحياء مرحلة كان فيها لمصر دور مباشر في صناعة أحد أهم رموز الإسلام المادية وتنظيم رحلة الحج سنويًا.

هذه المعروضات لا تُقدَّم بوصفها آثارًا منفصلة، بل باعتبارها وثائق مادية كثيفة الدلالة، تكشف كيف كانت القاهرة مركزًا لصناعة الكسوة، وممرًا لقوافل الحج، وفضاءً تُدار فيه طقوس دينية وسيادية امتدت عبر قرون.

كسوة الكعبة: حرير أسود وخيوط ذهب تصنع المقدس

القطعة المعروضة تنتمي إلى مرحلة تاريخية دقيقة من القرن التاسع عشر، حين كانت مصر تتولى صناعة كسوة الكعبة المشرفة ضمن منظومة رسمية عُرفت تاريخيًّا بـ"دار الكسوة". القطعة مصنوعة من حرير طبيعي أسود كثيف النسج، جرى إعداده خصيصًا ليتحمل طبيعة الاستخدام داخل الكعبة المشرفة طوال العام، مع صبغه بمواد طبيعية تمنحه اللون الأسود العميق الذي ارتبط بصريًا بكسوة البيت الحرام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وتظهر على سطح النسيج زخارف كتابية منفذة بخيوط من الذهب الخالص وخيوط فضة ممزوجة بأسلاك حريرية دقيقة، في تقنية تطريز دقيقة ومعقدة كانت تتطلب مهارة حرفية عالية. هذه الخيوط استخدمت في كتابة آيات قرآنية وأدعية داخل أشرطة هندسية منظمة، بخط الثلث العثماني/المملوكي الذي تميز باتساعه وقدرته على ملء المساحات البصرية داخل التصميم.

تتوزع الكتابات داخل إطارات مستطيلة متكررة تفصل بينها مسافات محسوبة، في بناء زخرفي صارم يعكس فلسفة تعامل مع الكسوة باعتبارها غلافًا مقدسًا يجب أن يجمع بين الجمال والدقة والقداسة في آن واحد. ورغم مرور ما يقرب من قرنين، ما زالت ملامح الحرير واضحة، فيما تحتفظ بعض خيوط الذهب ببريقها، بينما تظهر آثار طبيعية للتآكل في بعض الأطراف نتيجة الاستخدام الفعلي للقطعة داخل كسوة الكعبة قبل استبدالها.

إهداء يعيد القطعة إلى المجال العام

تعود هذه القطعة إلى مجموعة خاصة تم إهداؤها إلى المكتبة من رجل الأعمال المصري ياشار حسن عباس حلمي، في إطار الحفاظ على جزء من التراث المادي المرتبط بتاريخ مصر في خدمة الحرمين الشريفين. ويمثل هذا الإهداء انتقال القطعة من نطاق الملكية الخاصة إلى فضاء عام داخل مؤسسة ثقافية وبحثية، بما يتيح دراستها بوصفها وثيقة تاريخية تعكس مرحلة كان فيها لمصر دور مباشر في صناعة كسوة الكعبة وإرسالها سنويًّا إلى مكة المكرمة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

المحمل الشريف: موكب الدولة وطريق الحج

إلى جانب قطعة الكسوة، يعرض المتحف داخل المكتبة نموذجًا مرتبطًا بـ"المحمل الشريف"، وهو أحد أبرز الرموز التاريخية المرتبطة بالحج في مصر. المحمل لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل كان هيكلًا خشبيًا احتفاليًّا ضخمًا يُصنع من أخشاب صلبة عالية التحمل، ثم يُغلف بالكامل بأقمشة من الحرير المزخرف والمطرز بخيوط ذهبية وفضية، مع شرائط كتابية وزخارف دينية تعكس الطابع الرسمي والديني للموكب. وكان يُحمل على جمل مخصص، ويُعامل كرمز سيادي وديني في الوقت نفسه، يسبق قافلة الحج المصرية في خروجها السنوي من القاهرة.

مسار الرحلة التاريخي للمحمل

  • تنطلق القافلة من القاهرة، وتحديدًا من منطقة القلعة حيث تُقام مراسم الوداع الرسمية.
  • تتحرك عبر الطرق البرية إلى السويس أو عبر مسارات القوافل في سيناء حسب الفترات التاريخية.
  • تُنقل القافلة بحرًا عبر البحر الأحمر إلى ميناء جدة.
  • من هناك تستكمل الرحلة برًا إلى مكة المكرمة.

هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت طقسًا سنويًّا متكاملًا يجمع بين الدولة والدين والاحتفال الشعبي، ويعكس مكانة الحج في الوجدان المصري عبر قرون طويلة.

مصر وصناعة طريق الحج

تكشف هذه المقتنيات أن الدور المصري في الحج لم يكن دور عبور، بل كان دور صناعة. فمصر لم تكن فقط طريقًا للحجاج، بل كانت مركزًا لصناعة كسوة الكعبة، وتجهيز القوافل، وتنظيم واحد من أهم المواكب الدينية في العالم الإسلامي. ومع انتقال صناعة الكسوة إلى مكة المكرمة في العصر الحديث، انتهى هذا الدور التاريخي، لكن بقيت آثاره محفوظة في هذه القطع التي تحولت إلى شواهد مادية على مرحلة كانت فيها القاهرة جزءًا من تفاصيل الطريق إلى البيت الحرام.

بين قطعة من حرير أسود مطرز بخيوط الذهب، وهيكل خشبي مغطى بالحرير كان يشق الصحراء والبحر في طريقه إلى مكة، تقف الذاكرة داخل مكتبة الإسكندرية كطبقة تاريخية كاملة، لا تُقرأ فيها الأشياء كمعروضات، بل كأفعال صنعت تاريخًا طويلًا من العلاقة بين مصر والحرمين الشريفين. هنا لا يُعرض الماضي بوصفه ذكرى، بل بوصفه أثرًا حيًا: كسوة كانت تُصنع في القاهرة، ومحمل كان يتحرك كموكب دولة، وطريق حج كان يبدأ من مصر وينتهي عند الكعبة… قبل أن يتحول كل ذلك إلى ذاكرة محفوظة داخل مؤسسة ثقافية تعيد قراءة التاريخ بعين الحاضر.