مكتبة لينرت ولاندروك في شارع شريف: أرشيف بصري يروي تاريخ مصر منذ قرن
مكتبة لينرت ولاندروك: أرشيف بصري يروي تاريخ مصر

يصعب على الزائر لأول مرة ملاحظة المكان من الشارع في الخارج، حيث ضجيج وسط البلد المعتاد: محلات أدوات مكتبية، لافتات حديثة، عمال تحميل، وأصوات أبواق لا تتوقف. لكن خلف باب خشبي قديم، وعلى سلّم حجري تآكلت أطرافه من كثرة العابرين، يبدأ زمن آخر تمامًا.

رائحة الورق القديم والكاميرات العتيقة

رائحة الورق القديم تسبق الزائر إلى الداخل. جدران مغطاة بصور بالأبيض والأسود، وواجهات زجاجية تحتفظ بكاميرات ضخمة وآلات تصوير تعود لبدايات القرن العشرين. لا مقاعد للقراءة هنا، ولا ركن هادئ لتصفّح الكتب كما في المكتبات التقليدية. المكان أقرب إلى أرشيف مفتوح للبيع: صور، وخرائط، وكتب عن مصر القديمة والشرق وشمال أفريقيا، محفوظة كأنها جزء من معرض دائم للذاكرة.

في المحلات المجاورة، يعرف الجميع المكتبة حتى لو لم يدخلوها يومًا. أحد أصحاب المحال القديمة في الشارع يصفها ببساطة: "دي مكتبة عتيقة بقالها عمر… وصاحبها بييجي يزورها من وقت للتاني." وسط شارع تغيّر كل شيء فيه تقريبًا، تبدو مكتبة لينرت ولاندروك كأنها نجت وحدها من النسيان.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

رجلان وكاميرا وقارة

الحكاية بدأت بعيدًا عن القاهرة. عام 1903، غادر المصور البوهيمي رودولف فرانز لينرت أوروبا متجهًا جنوبًا، يحمل كاميرته ورغبة مفتوحة لاكتشاف الشرق. وصل إلى تونس، وهناك بدأ تصوير الصحراء والواحات والوجوه المحلية بعين مختلفة عن معظم مصوري عصره. في إحدى رحلاته إلى سويسرا، التقى بالألماني إرنست هاينريش لاندروك، طالب الأعمال الذي سيصبح لاحقًا شريكه في واحدة من أشهر مؤسسات التصوير الاستشراقي في المنطقة. لينرت يصوّر، ولاندروك يدير ويطبع ويسوّق.

عام 1904، افتتحا أول استوديو لهما في تونس، وبدأت الصور تنتشر في أوروبا كبطاقات بريدية ومطبوعات فنية تكشف للعالم ملامح شمال أفريقيا والشرق كما لم تُرَ من قبل. لكن لينرت لم يكن مجرد مصور يبحث عن اللقطة الجميلة. كان مفتونًا بالضوء نفسه بانكساره فوق الكثبان، وبالوجوه التي تحمل قسوة الصحراء وهدوءها في الوقت ذاته. صوّر الواحات، والنساء التونسيات، والحياة اليومية البسيطة، وكأنه يحاول تثبيت زمن كامل قبل أن يختفي.

الحرب التي أوقفت الحلم

في أغسطس 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى، وأُغلق الاستوديو في تونس باعتبار صاحبيه من رعايا دول العدو. اعتُقل لينرت، وصودرت آلاف الألواح الزجاجية التي وثقت عشر سنوات كاملة من العمل. تفرّق الرجلان قسرًا. لكن بعد الحرب، استعادا الأرشيف وبدآ من جديد. أسسا دار نشر في ألمانيا لتسويق أعمالهما، قبل أن يقودهما الشرق مرة أخرى نحو القاهرة. عام 1924، وصلت العائلتان إلى مصر، لتبدأ المرحلة الأهم في تاريخ المكتبة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

القاهرة التي دخلت العدسة

في البداية، افتتحا الاستوديو في شارع المغاربة، قبل الانتقال لاحقًا إلى مقرهما الأشهر في شارع شريف، حيث لا تزال المكتبة قائمة حتى اليوم. خرج لينرت بكاميرته إلى شوارع القاهرة، والقرى، وضفاف النيل، والأهرامات، والإسكندرية، وأسوان. كان يصوّر مصر اليومية لا الرسمية فقط: الفلاحين، السواقي، الشادوف، البيوت الطينية، والمراكب الصغيرة التي كانت تتحرك بهدوء فوق النيل.

داخل المكتبة اليوم، لا تزال بعض تلك الصور معلّقة على الجدران كأن أصحابها غادروا المكان منذ دقائق فقط. خلف إحدى الواجهات الزجاجية، تقف كاميرات ضخمة بعدسات نحاسية سوداء، وبجوارها آلات قديمة وأدوات تصوير من زمن التحميض اليدوي. أما في الداخل، فهناك غرفة صغيرة لا تزال مخصصة لتحميض الصور حتى الآن. خلف باب جانبي ضيق، تظهر الأحواض القديمة والرفوف وآثار المواد الكيميائية التي شهدت خروج آلاف الصور إلى النور. المكان يمنح الزائر إحساسًا غريبًا بأن المصور قد يعود في أي لحظة ليعلّق نيجاتيف جديدًا كي يجف.

من استوديو تصوير إلى مكتبة

الحرب العالمية الثانية غيّرت كل شيء مرة أخرى. توقفت الواردات من ألمانيا، وأصبح من الصعب استمرار العمل بالصيغة القديمة، فتحوّل المكان تدريجيًا من استوديو تصوير إلى مكتبة متخصصة في بيع الكتب والصور والخرائط. ورغم ذلك، بقي الأرشيف حيًا داخل الخزائن. عام 1982، وبينما كان إدوار لامبيليه (ابن العائلة التي أدارت المكان لاحقًا) يبحث عن مساحة لتخزين الكتب، عثر على صندوق ضخم مغطى بالغبار. داخل الصندوق كانت المفاجأة: أكثر من 6500 لوح زجاجي أصلي، تضم صورًا نادرة لمصر وتونس وفلسطين ولبنان تعود لبدايات القرن العشرين.

لم تكن مجرد صور قديمة، بل وثائق لمدن ووجوه وأماكن اختفى كثير منها تمامًا: بورصة القطن في الإسكندرية قبل احتراقها، بيوت ريفية هدمها التحديث، مطاحن قديمة، ومشاهد نيلية لم يعد لها وجود. هكذا تحوّل ما بدأ كمشروع تجاري للتصوير والطباعة إلى واحد من أهم الأرشيفات البصرية الخاصة عن الشرق.

ذاكرة مدينة تختفي

الغريب أن مكتبة لينرت ولاندروك لم تُؤسَّس يومًا باعتبارها مشروعًا لحفظ الذاكرة. لم يكن هناك مشروع قومي للتوثيق، ولا مؤسسة ثقافية تخطط لإنقاذ التاريخ. كان هناك فقط رجل يحب الضوء، وآخر يعرف كيف يحافظ على الصور. اليوم، بينما تتغير القاهرة بسرعة هائلة، تبدو المكتبة وكأنها تحتفظ بنسخة أخرى من المدينة؛ نسخة أبطأ، أكثر هدوءًا، وأكثر إنسانية.

في الخارج، يواصل شارع شريف صخبه المعتاد. أما داخل المكتبة، فالزمن يتحرك ببطء شديد. قبل أن يغادر الزائر، يتوقف أمام صورة لرجل فلاّح يقف بجوار شادوف على ضفة النيل. لا أحد يعرف اسمه الآن، ولا أين عاش أو دُفن. لكن وجهه لا يزال حاضرًا هنا، فوق هذا الجدار، بعد أكثر من قرن كامل. الباب الخشبي يُغلق خلفه. تعود أصوات القاهرة من جديد. لكن يبقى شعور واحد عالقًا: أن المدينة التي نعيش فيها الآن، قد تصبح يومًا ما مجرد صورة داخل خزانة زجاجية قديمة.