أحكام قضائية مشددة في قضية فساد بوزارة الصحة
أصدرت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بالقاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد أحمد الجندي، وعضوية المستشارين ممدوح شلبي ومحمد أحمد صبري، أحكاماً قضائية متفاوتة بالسجن المشدد ضد خمسة متهمين من موظفي وزارة الصحة. جاءت هذه الأحكام بعد اتهامهم بالاستيلاء على مستلزمات طبية مملوكة للدولة بقيمة إجمالية تبلغ 555 ألف دولار أمريكي، بالإضافة إلى مبالغ أخرى بالجنيه المصري، وذلك في إطار قضية فساد مالي كبرى هزت قطاع الصحة.
تفاصيل الأحكام القضائية والعقوبات المقررة
تضمنت الأحكام الصادرة عن المحكمة عقوبات صارمة لكل متهم على حدة، حيث حكم على المتهم الأول بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، بينما حكم على المتهم الثاني بـ5 سنوات، والمتهم الثالث بـ10 سنوات، والرابع بـ3 سنوات، والخامس بسنة واحدة. كما قررت المحكمة عزل جميع المتهمين من وظائفهم بشكل دائم، مما يعكس جدية التعامل مع قضايا الفساد المالي في المؤسسات الحكومية.
خلفية القضية وملابسات الاتهامات
تعود جذور هذه القضية إلى نيابة الأموال العامة العليا، التي أصدرت أمر إحالة في القضية رقم 15177 لسنة 2022 جنايات مصر القديمة، والمقيدة برقم 6790 لسنة 2024 كلي جنوب القاهرة. حيث وجهت النيابة اتهامات إلى الموظفين الخمسة بالاستيلاء على مستلزمات طبية مملوكة لجهة عملهم، وتزوير محررات رسمية بهدف إخفاء جرائمهم.
كشفت التحقيقات أن الجرائم ارتكبت خلال الفترة من 11 ديسمبر 2017 حتى 24 فبراير 2019، في دائرة مصر القديمة بمحافظة القاهرة. حيث استغل المتهمون مناصبهم الوظيفية في وزارة الصحة لتنفيذ مخطط منهجي للاستيلاء على المال العام، عبر تزوير أذون الصرف واستعمال محررات مزورة.
تفاصيل الاتهامات وآليات التنفيذ
أسندت النيابة إلى المتهمين الأول والثاني – واللذان كانا يعملان بمركز أورام دار السلام – تهمة الاستيلاء بغير حق وبنية التملك على مستلزمات طبية مملوكة لإدارة التموين الطبي بوزارة الصحة. بلغت قيمة هذه المستلزمات 555,139.24 دولارًا أمريكيًا، إضافة إلى 47,736 جنيهًا مصريًا.
وأظهرت التحقيقات أن المتهمين حررا 29 إذن صرف لمستلزمات غسيل كلوي دون وجود احتياج فعلي لها، وتم اعتمادها من قبل المتهمين من الثالث حتى الخامس، والذين كانوا يشغلون مناصب مسؤولة عن الصرف بإدارة التموين الطبي. على الرغم من علمهم بعدم وجود حاجة حقيقية لتلك الكميات، وفشلهم في الحصول على موافقات السلطة المختصة، إلا أنهم واصلوا تنفيذ مخططهم الإجرامي.
كما تبين أن المستلزمات الطبية لم يتم توريدها فعليًا إلى جهة العمل، بل احتُجزت بنية تملكها بشكل غير قانوني، مما أدى إلى إهدار كبير للمال العام وتقويض جهود الرعاية الصحية. وأوضحت النيابة أن هذه الجريمة ارتبطت بتزوير محررات رسمية، تمثلت في عدد من أذون الصرف، حيث تم إثبات طلبات غير حقيقية على خلاف الواقع، ثم استعمال تلك المحررات فيما زُورت من أجله، مما مكن المتهمين من الاستيلاء على المستلزمات الطبية بسهولة.
أدلة الإثبات والتحقيقات الشاملة
استند أمر الإحالة إلى مجموعة من الأدلة القوية التي ساعدت في كشف الحقيقة، بما في ذلك:
- تقارير لجان الفحص المشكلة من وزارة الصحة، والتي أكدت عدم وجود طاقة استيعابية بمركز أورام دار السلام لتلقي تلك الكميات الكبيرة من المستلزمات الطبية.
- تحريات إدارة مكافحة جرائم الأموال العامة، التي كشفت عن أنشطة مشبوهة واختلالات مالية.
- تقارير أبحاث التزييف والتزوير، التي أثبتت صحة نسب التوقيعات وكشفت عن عمليات تزوير في أذون الصرف.
- إقرارات بعض المتهمين بوجود عجز أو تسليم مستلزمات بالمخالفة للضوابط والإجراءات الرسمية.
وطالبت النيابة العامة بتوقيع أقصى العقوبات المقررة قانونًا، وفقًا لنصوص المواد 213 و214 من قانون العقوبات، مما أدى إلى إحالة المتهمين للمحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات الأموال العامة العليا للفصل في الاتهامات المنسوبة إليهم.
تداعيات القضية وأهميتها
تعد هذه القضية مثالاً صارخاً على جهود الدولة في مكافحة الفساد المالي والإداري، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة. حيث تؤكد الأحكام الصادرة على التزام الجهات القضائية بمحاسبة المتورطين في إهدار المال العام، وتعزيز الشفافية والنزاهة في المؤسسات الحكومية. كما تسلط الضوء على أهمية تعزيز الرقابة الداخلية والخارجية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.