لم تعد مسألة تحريك أسعار خدمات الاتصالات في مصر مجرد قرار اقتصادي عابر، بل أصبحت مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق والمواطن. فحين يُطرح رفع الأسعار باعتباره استجابة لضغوط التكاليف -من طاقة وتشغيل واستثمارات- كما يبرر، يبدو الأمر منطقيًا في إطاره النظري، لكنه يثير تساؤلات مشروعة حين يأتي في سياق يعاني فيه المستخدم أصلًا من ضعف الجودة وتذبذب الخدمة وارتفاع سعرها مقارنة بدخله وقوته الشرائية.
الإشكالية هنا ليست في مبدأ تحريك الأسعار، بل في غياب معادلة واضحة تربط بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من جودة الخدمات. ففي التجارب الدولية، لا تُمرر أي زيادة دون التزام معلن بمؤشرات أداء محددة: سرعات أعلى، استقرار أكبر، تغطية أوسع، وتقارير شفافة تتيح للمستخدم تقييم الخدمة ومحاسبة المقصر. أما في الحالة المصرية، فتبدو الصورة أكثر ضبابية؛ إذ تُمنح الشركات مساحة للتحرك سعريًا، بينما يبقى التحسن الموعود مؤجلًا، بلا جدول زمني ملزم أو أدوات قياس يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
هذا الخلل يضع عبئًا مضاعفًا على الجهات التنظيمية والرقابية. فدورها لا يجب أن يقتصر على إدارة التوازنات بين شركات المحمول والاتصالات، بل يفترض أن يمتد إلى فرض معايير جودة صارمة، والإفصاح الدوري عن مؤشرات الأداء، وربط أي زيادات سعرية بتحقق فعلي لهذه المعايير. غير أن الممارسة الحالية توحي بأن التنظيم يميل أحيانًا إلى تمكين السوق من التكيف مع الضغوط، أكثر من ميله إلى تمكين المواطن من أدوات المحاسبة.
أما جهاز حماية المستهلك فحضوره في هذا الملف يظل دون المأمول. فالجهاز، الذي يُفترض أن يكون صوت المستخدم وضمانته الأخيرة، لم يتحول بعد إلى قوة ضاغطة قادرة على فتح تحقيقات قطاعية واسعة، أو فرض التزامات واضحة على الشركات، أو حتى قيادة نقاش عام يعكس حجم المعاناة اليومية للمستخدمين مع بطء الإنترنت أو ضعف الشبكات. ويبدو دوره أقرب إلى استقبال الشكاوى الفردية منه إلى بناء موقف مؤسسي يدافع عن حق جماعي في خدمة عادلة.
ولا يمكن إغفال بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع الدور التاريخي للصحافة، خاصة محرري ومندوبي الاتصالات داخل الوزارة. فقد كانت هذه الفئة تمثل، في مراحل سابقة، قناة تأثير حقيقية تنقل نبض الشارع إلى دوائر القرار، وتطرح القضايا الجماهيرية بجرأة تدفع المسئولين وتحفزهم على التفاعل. اليوم، ومع انحسار هذا الدور، تراجعت المساءلة غير الرسمية، وغاب أحد أهم أدوات التوازن في العلاقة بين المواطن وصانع القرار، وهو ما أضعف بدوره قدرة الرأي العام على التأثير في سياسات القطاع.
في المقابل، تكشف المقارنة مع الأسواق المتقدمة عن فجوة لا تتعلق فقط بمستوى الدخل أو تكلفة الخدمة، بل بطبيعة المنظومة نفسها. هناك، تُدار الاتصالات كحق أساسي مدعوم بمنافسة حقيقية ورقابة صارمة وشفافية كاملة، ما أدى إلى انخفاض نسبي في الأسعار مقابل تحسن مستمر في الجودة، وانتشار واسع للباقات غير المحدودة. أما في مصر، فالمستخدم ما زال يتعامل مع سعة محدودة وسرعات متفاوتة، في ظل بنية سوقية لا تخلق ضغطًا كافيًا على الشركات لتقديم الأفضل قبل التفكير في رفع السعر.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تتحسن الخدمة فعليًا؟ ومتى تنطلق سرعات الإنترنت في مصر إلى مستويات تواكب ما يحدث في العالم؟ الإجابة لا تكمن في قرارات التسعير وحدها، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الأطراف كافة: تنظيم أكثر صرامة وشفافية، جهاز حماية مستهلك أكثر حضورًا وتأثيرًا، وصحافة تستعيد دورها كعين رقابية تنقل صوت الناس بلا مواربة.
إن أزمة الاتصالات في مصر، في جوهرها، ليست أزمة تكلفة بقدر ما هي أزمة ثقة وهيكل رقابي. فالمواطن قد يقبل دفع المزيد إذا لمس تحسنًا حقيقيًا، لكنه يرفض أن يُطلب منه التمويل مقدمًا دون ضمانات. وبين غياب الضغط الإعلامي الكافي، وضعف الدور الرقابي المؤسسي، واستمرار تحميل المستخدم كلفة الإصلاح، يبقى التحدي قائمًا: كيف ننتقل من إدارة الأزمة إلى حلها، ومن تبرير القرارات إلى بناء منظومة يشعر فيها المواطن بأن حقه في خدمة جيدة ليس ترفًا، بل التزامًا واجب التنفيذ؟
اللافت أن نائب رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمتحدث الرسمي باسم الجهاز محمد إبراهيم قال إنه تمت إتاحة جميع المواقع الحكومية والتعليمية مجانًا عبر شبكات الإنترنت الأرضي والمحمول حتى بعد نفاد الباقة، ولم يقل لنا ما هي تلك المواقع تحديدا حتى يمكن الاستفادة منها؟! المدهش حقا. أنه بدلا من أن يعلن وزير الاتصالات أن تصدير البرمجيات والخدمات التكنولوجية زادت في عهده -وهو لم يحدث بالطبع- فإنه يوافق على طلبات شركات المحمول والنت بزيادة الباقات. باعتبار أن طلباتهم أوامر. أما المستهلكون فلهم الله.
وبقي السؤال المهم أين جهاز حماية المستهلك؟ وأين لجنة الاتصالات بالبرلمان؟ والتي لم نسمع لها صوتا يحاسب أو يراقب أو يراجع وزارة الاتصالات وشركاتها وهيئاتها، وهو ما يؤكد أن البرلمان صار أقرب لدعم الحكومة أكثر من دعمه للشعب.



