في صباح ثقيل امتزجت فيه مشاعر الأبوة بمرارة الخصومة، شهدت الدائرة الثانية بمحكمة جنايات أسيوط الاستئنافية واحدة من أكثر الجلسات الإنسانية تأثيرًا، خلال نظر استئناف الشقيقتين "يسرا ويمنى" على الحكم الصادر بحبسهما 3 سنوات، بعد إدانتهما بتزوير مفردات راتب والدهما واستخدامها أمام محكمة الأسرة لزيادة قيمة النفقة القضائية.
بداية الجلسة
منذ الساعات الأولى للصباح، بدت أروقة مجمع محاكم أسيوط مختلفة عن المعتاد. حركة المحامين وأسر المتقاضين وضباط الحراسة كانت تسير بصورة اعتيادية، لكن داخل الطابق الثالث، حيث قاعة الدائرة الثانية الاستئنافية، كانت هناك قصة عائلية كاملة تتأهب للفصل في فصل جديد من فصولها المؤلمة. في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحًا، توقفت سيارة الترحيلات أمام مجمع المحاكم، وترجلت منها الشقيقتان "يسرا ويمنى" مرتديتين ملابس الحبس، تتقدمان بخطوات بطيئة نحو قاعة المحكمة.
الحضور العائلي
لم يكن المشهد مجرد حضور متهمتين إلى جلسة استئناف، بل بدا وكأنه لقاء قاسٍ فرضته الخصومات الأسرية، بعدما جمعت المحكمة أفراد أسرة فرقتهم الخلافات والبلاغات وأوراق الدعاوى. داخل القاعة، كان الأب "أحمد حسني" حاضرًا منذ وقت مبكر، جلس في المقاعد الأمامية ينتظر بدء الجلسة، بينما جلست الأم على مقربة منه في صمت ثقيل، تحاول أن تتابع بعينيها حركة ابنتيها منذ دخولهما القاعة وحتى وقوفهما داخل قفص الاتهام. لم تكن الأم متهمة فقط في القضية، بل كانت أيضًا أمًا ترى ابنتيها خلف القضبان للمرة الثانية بعد صدور حكم السجن عليهما.
بدء المرافعات
لحظات قليلة، ثم دوى صوت حاجب المحكمة قائلًا: "محكمة". وقف الجميع احترامًا، ودخل المستشار أحمد عمران محمد رئيس المحكمة، يرافقه المستشاران محمد سيف النصر محمد وأحمد محمد فهمي، وأمين السر محمد فاروق، لتبدأ جلسة حملت بين طياتها تفاصيل قانونية وإنسانية معقدة. ساد الصمت القاعة، بينما كانت نظرات الأب والأم تتجه نحو ابنتيهما داخل القفص. نظرات بدت وكأنها تحمل أسئلة كثيرة بلا إجابات؛ كيف وصلت الخلافات العائلية إلى هذا الحد؟ وكيف تحولت دعاوى النفقة داخل محكمة الأسرة إلى قضية تزوير أمام محكمة الجنايات؟
استجواب المتهمتين
بدأت المحكمة في نظر القضية، فنادى حاجب المحكمة على المتهمتين: "يسرا أحمد... يمنى أحمد". رفعتا رأسيهما بصعوبة وأجابتا بصوت منخفض: "نعم". التفت إليهما رئيس المحكمة وسألهما بشكل مباشر: "أنتن زورتن مفردات مرتب والدكما؟". للحظة خيم الصمت، ثم أجابت الشقيقتان بصوت واحد بالكاد سمع داخل القاعة: "لا يا فندم".
شهادة الأب
طلب الدفاع عقب ذلك سماع شهادة والدهما "أحمد حسني". تقدم الأب بخطوات هادئة نحو منصة المحكمة، وأدى اليمين القانونية، قبل أن يدلي بشهادة بدت مؤثرة للحاضرين داخل القاعة. قال الأب بصوت امتزج فيه الحزن بالإرهاق: "أنا لا أتهم ابنتي يسرا ويمنى بالتزوير، وأنا فوجئت بحافظة مستندات قدمتها ابنتي بحسن نية في قضية النفقة المقامة ضدي أمام محكمة الأسرة، وكانت تحتوي على مفردات مرتب مزورة منسوبة لي، وأنا لا أتهمهما". وخلال حديث الأب، خيم الصمت على القاعة، بينما ظلت الأم تنظر إليه ثم إلى ابنتيها في مشهد عائلي معقد جمع بين الخصومة القانونية وروابط الدم التي لم تنقطع رغم كل ما حدث.
خلفية القضية
وتعود بداية القضية إلى بلاغ تقدم به موظف بإحدى شركات الكهرباء ضد طليقته وابنتيه، اتهمهن فيه بتقديم مفردات راتب مزورة أمام محكمة الأسرة ضمن دعاوى نفقة، تضمنت بيانات تفيد بحصوله على راتب أكبر من راتبه الحقيقي، بهدف زيادة قيمة النفقة المقضي بها. وباشرت جهات التحقيق فحص المستندات المقدمة، قبل أن تكشف تحريات الإدارة العامة لمباحث مكافحة جرائم الأموال العامة بأسيوط أن المتهمة الأولى استعانت بشخص مجهول لتزوير مفردات الراتب باستخدام وسائل تقنية حديثة، بعد تزويده ببيانات خاصة بالمجني عليه، فيما قامت الابنتان باستخدام تلك المحررات داخل القضايا المنظورة أمام محكمة الأسرة.
نتائج التحقيقات
ولم تتوقف التحقيقات عند هذا الحد، إذ خاطبت النيابة شركتي الكهرباء المنسوب إليهما إصدار مفردات الراتب، وجاء الرد الرسمي بأن تلك المستندات لم تصدر عنهما، وأن الأختام والتوقيعات المثبتة عليها مزورة بالكامل. وعقب انتهاء التحقيقات، قررت النيابة العامة إحالة الأم وابنتيها إلى محكمة الجنايات بتهمة الاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع مجهول في تزوير محررات رسمية واستعمالها.
الحكم الأول
وبعد أن استمعت المحكمة إلى المرافعات وأقوال المتهمات والشهود، أصدرت الدائرة الحادية عشرة بمحكمة جنايات أسيوط حكمها بمعاقبة الأم غيابيًا، ومعاقبة الابنتين حضوريًا بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، مع مصادرة المحررات المزورة المضبوطة.
تطورات لاحقة
وفي تطور لاحق، أعادت والدة المتهمتين إجراءات محاكمتها بعد القبض عليها، وقررت المحكمة تأجيل نظر القضية إلى ثاني جلسات دور شهر يوليو المقبل، لمنح هيئة الدفاع فرصة الاستعداد للمرافعة، مع إخلاء سبيلها حتى موعد الجلسة القادمة.
ورغم أن القضية تنظر قانونيا باعتبارها جريمة تزوير محررات رسمية، فإن تفاصيلها الإنسانية ظلت حاضرة بقوة داخل قاعة المحكمة، بعدما تحول خلاف أسري بدأ داخل محكمة الأسرة إلى قضية جنائية انتهت بأب يشهد لصالح ابنتيه، وأم تساندهما من المقاعد الخلفية، وابنتين تقفان خلف قفص الاتهام في انتظار مصير قد يحدد شكل حياتهما لسنوات طويلة قادمة.



