أكد الدكتور علاء رزق، رئيس المركز الاستراتيجي للتنمية الاقتصادية والخبير الاقتصادي، أن المجموعة الاقتصادية في مصر تواجه مجموعة من الملفات العاجلة والحاسمة خلال المرحلة الحالية والمقبلة، والتي تستهدف التعامل مع التداعيات الناتجة عن المتغيرات العالمية والإقليمية المتسارعة.
تأثير المتغيرات العالمية على الاقتصاد المصري
أوضح رزق أن مصر، رغم ابتعادها الجغرافي عن بؤر الصراع في منطقة الخليج، فإن اقتصادها الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد قد تأثر بشكل غير مباشر بتلك التطورات، مشيرًا إلى أن هذا التأثير انعكس على حركة الأسواق والتدفقات النقدية. وأضاف أن الفترة الأخيرة شهدت خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية بقيمة تُقدّر بمليارات الدولارات، مما ساهم في زيادة الضغوط على سوق الصرف ودفع العملة المحلية إلى مستويات متدنية غير مسبوقة.
أبرز الملفات العاجلة على طاولة المجموعة الاقتصادية
أوضح رزق في تصريح له أن أبرز الملفات العاجلة المطروحة على طاولة المجموعة الاقتصادية تتمثل في تحقيق الاستقرار النقدي وتوفير النقد الأجنبي، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة. وأشار إلى أن هذا الهدف يتم عبر إدارة كفؤة للاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي سجل مستوى قياسيًا بلغ نحو 53 مليار دولار، إلى جانب متابعة مستمرة لتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي شهدت ارتفاعًا غير مسبوق، حيث أعلن البنك المركزي المصري وصولها إلى نحو 22.1 مليار دولار خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026.
وأشار إلى أن هذا التحسن يأتي في إطار تطور إيجابي في أداء الاقتصاد المصري خارجيًا، حيث تراجع العجز في حساب المعاملات الجارية إلى نحو 9.5 مليارات دولار خلال الفترة نفسها، في حين سجلت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق داخلي بنحو 6.5 مليار دولار. وأضاف أن من بين الملفات المهمة أيضًا إدارة سعر الصرف المرن بما يضمن توافر مستلزمات الإنتاج وتقليل الفجوات السعرية في السوق، مما يسهم في الحد من الضغوط التضخمية وضبط الأسعار.
مستهدفات التضخم
أشار رزق إلى أن الحكومة تستهدف خفض معدل التضخم إلى متوسط 13.6% خلال العام المالي الحالي، على أن يتراجع إلى نحو 12.5% خلال عام 2025/2026، في إطار سياسات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين مؤشرات الأداء الكلي.
المؤشرات تعكس تحسن مرونة الاقتصاد المصري
واصل حديثه قائلاً: إن هذه المؤشرات تعكس تحسن مرونة الاقتصاد المصري، وتعزز الثقة في مسار الإصلاح على المدى الطويل، مع استعداد البنك المركزي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات للحفاظ على استقرار توقعات التضخم عند مستويات منضبطة. وأكد أن الاقتصاد المصري بات أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات مقارنة بالسنوات السابقة، وأن مرونة سعر الصرف المرن أثبتت فعاليتها في امتصاص الصدمات الخارجية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والتقلبات الإقليمية.
إدارة الدين العام (الخارجي والمحلي)
أكد رئيس المركز الاستراتيجي للتنمية الاقتصادية أن إدارة الدين العام بشقيه الخارجي والمحلي تعد من أبرز الملفات المطروحة على أجندة المجموعة الاقتصادية، في إطار السعي للالتزام بمسار هبوطي لمعدلات الدين العام، الذي بلغ نحو 98% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2022/2023. وأوضح أن الدولة تتبنى استراتيجية متوسطة المدى لإدارة الدين العام (2023-2027)، تستهدف خفض نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي إلى أقل من 80% بحلول عام 2027، وذلك من خلال ضبط أوضاع المالية العامة، وتنويع مصادر التمويل، وإطالة عمر الدين، إلى جانب التركيز على أدوات تمويل مستدامة ومبتكرة بما يسهم في تقليل تكلفة الاقتراض.
وأشار إلى أن هذا المسار يأتي في ظل تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع أعباء خدمة الدين، وتقلبات أسعار الصرف، والحاجة المستمرة إلى تمويل مشروعات البنية التحتية، وهو ما يتطلب تعزيز كفاءة الإنفاق العام وزيادة الإيرادات بشكل مستدام. وأكد أن إدارة ديون الاقتصادات الناشئة تمثل تحديًا مركبًا يتطلب حلولًا مبتكرة تحقق التوازن بين متطلبات الاستدامة وتحقيق النمو، مشيرًا إلى أن الدول النامية تحتاج إلى آليات تمويل أكثر عدالة لدعم مسارات التنمية المستدامة.
ولفت إلى أن الاقتصادات الناشئة تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا وارتفاع أسعار الفائدة، الأمر الذي يستلزم تبني استراتيجيات مرنة لإدارة الدين العام، تعتمد على تنويع مصادر التمويل وخفض أعباء خدمة الدين. وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب تكامل السياسات المالية والنقدية، مع الاستفادة من الأدوات التمويلية الحديثة والمبتكرة، بما يضمن تقليل المخاطر الاقتصادية وتحقيق نمو مستدام ينعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى معيشة المواطنين.



