مع انطفاء أضواء العيد وهدوء حركته، تبدأ حالة طوارئ في مكان آخر، فما يراه البعض مجرد مخلفات لموسم الأضاحي، يراه آخرون «منجم ذهب» ينتظر الاستخراج. في مدينة الروبيكي للجلود، لا مكان للراحة بعد العيد، بل هي ذروة الموسم الحقيقي، حيث تتحول آلاف الجلود التي جُمعت من كافة أنحاء الجمهورية إلى خلايا نحل بشرية وآلية.
حكاية حرفة متوارثة
يروي تامر محمد عباس تفاصيل المهنة التي ورثها عن والده وأجداده، وبدأها منذ كان في العاشرة من عمره، قائلاً: «أنا عندي 32 سنة وشغال في المهنة دي من وأنا عندي عشر سنين، يعني بقالي أكتر من عشرين سنة فيها، اكتسبت خبرة من سنة لسنة وكملت مسيرة العيلة»، مشيراً إلى أن العمل في الجلود بالنسبة له ليس مجرد وظيفة، بل هو تكملة لما بدأته العائلة منذ زمن طويل في مناطق مختلفة، مثل سور مجرى العيون قبل الانتقال إلى الروبيكي.
طريقة تقسيم جلود الأضاحي واستخداماتها المختلفة
ويشرح «تامر» طريقة تقسيم جلود الأضاحى واستخداماتها المختلفة، موضحاً أن لكل نوع جلد استخداماته المميزة والدقيقة، للحصول على أعلى جوده وخامة: «الجلد البقري بيتعمل منه الجزم والشباشب، أما الجاموسي ده للأحزمة، والجلد الضاني الخاص بالماعز بيبقى للجواكيت والمحافظ.. وغيرها». ولا تقتصر منتجات «تامر» الجلدية على ذلك، بل يصنع المفارش والسجاد الفرو، لكن بعد مرور المواد الخام بعدة مراحل معقدة، لتجهيز الفرو للاستخدام، قائلاً: «شغلنا شبه نظام التحنيط، بنستخدم فيه الملح ومواد كيماوية، وكمان فيه ماكينات بتشيل الزوائد اللي الجزار مشالهاش»، مشيراً إلى أن العملية تتطلب تجهيز الجلد والفرو بشكل فوري بعد الذبح.
توقيت الحصول على الجلد.. عنصر حاسم في الجودة
توقيت الحصول على الجلد عنصر أساسي وحاسم في جودة المنتج النهائي، بحسب «تامر»: «الجلد لازم يبقى طازة، لو عدى عليه يومين الشعر بيقع وماينفعش نشتغل عليه»، الأمر الذى يستدعى فى رأيه سرعة فى النقل والتجهيز فور خروج الجلود من المجازر. ورغم الطابع المحلى للحرفة فإن المنتجات المصرية تجد طريقها لأسواق عالمية، وفقاً لحديث «تامر»: «بنصدر شغلنا لكل أنحاء العالم».
خبرة تمتد لعقود
في نفس السياق، يكشف عبدالرحمن الجباس عن استخدامات الجلود المختلفة، بناء على خبرته الطويلة فى المجال: «جلد الخروف غالباً يستخدم في الملابس وبطانة الحقائب والأحذية، أما جلد الماعز فتصنع منه الشنط والأحذية النسائية وكذلك جلود الأبقار، وجلد الجاموس يُصنع منه الأحزمة والشنط الكاجوال». استخدام الجلود بشعرها يتم بشكل محدود، بحسب «الجباس»: «بنعملها بطلب من الزبون، وغالباً ما تُستخدم في الديكور، مثل سجاد الجلد اللى بيضيف لمسة فريدة للمنزل، وسعره بيصل إلى 1500 جنيه، ويعطى شعوراً مختلفاً لمن يقتنيه».
مراحل تجهيز الجلد
وعن مراحل تجهيز الجلد، يكشف «الجباس» أن العملية ليست بالسهلة قائلاً: «بتاخد من أسبوعين لثلاثة أسابيع، البداية بتكون بإزالة الشعر من الجلود، ثم تجهيز الجلد وضبط السماكة والتشحيم، بعدها بيمر بمراحل كتيرة متخصصة بتخلى الجلد جاهز للاستخدام»، مشيراً إلى أنه بالرغم من كل التغييرات والتطور الذى شهدته المدابغ على مر عقود، لا تزال الحرفة تحتفظ بروحها التقليدية، فكل قطعة جلد تحمل لمسة من التاريخ والخبرة.



