خبير اقتصادي يكشف أسرار صعود الدولار فوق 50 جنيهاً وسط تصاعد التوترات الإقليمية
كشف الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، أن لحظات التوتر الجيوسياسي تغير قواعد اللعبة في الأسواق المالية بسرعة لافتة، حيث يصبح سعر الصرف أول مؤشر يعكس قلق المستثمرين. وأوضح في تصريحات خاصة أن ما نشهده حالياً مع تحرك الدولار فوق مستوى الخمسين جنيهاً يعكس ضغوطاً متزايدة على العملة المحلية في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
الأموال الساخنة وتذبذب سعر الصرف
أضاف أبو الفتوح أن هذه الضغوط ترتبط بخروج ملحوظ للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، مما أعاد التذكير بمدى حساسية السوق المصرية لتحركات ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة". وأشار إلى أن التجارب السابقة تظهر أن هذه التدفقات سريعة الدخول والخروج قد تضخم تقلبات سعر الصرف، خصوصاً إذا تزامنت مع صدمات خارجية قوية.
الاحتياطي النقدي خط دفاع مهم
لفت الخبير الاقتصادي إلى أنه لا يمكن قراءة المشهد من زاوية التشاؤم فقط، فاحتياطي النقد الأجنبي الذي يقترب من 52.7 مليار دولار يمثل خط دفاع مهماً يمنح الاقتصاد قدرة معقولة على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل. غير أن هذا الهامش من الأمان يواجه تحديات، خاصة مع وصول الدين الخارجي إلى نحو 163.7 مليار دولار، مما يفرض التزامات دولارية كبيرة لخدمة هذا الدين.
السياسة النقدية في مرحلة انتقالية
وبين أن السياسة النقدية تبدو وكأنها تمر بمرحلة انتقالية، حيث خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة إلى 19% للإيداع الليلي و20% للإقراض، في إشارة إلى رغبة واضحة في دعم النشاط الاقتصادي بعد فترة طويلة من التشديد. لكنه أشار إلى أن تأثير هذه الخطوة على سوق الصرف قد يظل محدوداً إذا استمرت الضغوط الخارجية بالقوة نفسها.
لماذا لم تهدأ السوق رغم تدفقات صندوق النقد؟
وتساءل: لماذا لم تؤدِ التدفقات المالية الأخيرة من صندوق النقد الدولي إلى تهدئة السوق بالكامل؟ وأوضح أن الإجابة الأقرب تكمن في أن الصدمات الجيوسياسية الحالية قد تكون أعمق من أن تُمتص سريعاً عبر التدفقات التمويلية وحدها.
أسعار النفط تضغط على ميزان المدفوعات
وأشار إلى أن تطورات أسواق الطاقة العالمية تضيف مزيداً من التعقيد للمشهد، إذ إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقارب 93 دولاراً للبرميل يضع ضغوطاً إضافية على ميزان المدفوعات المصري، لأن فاتورة الاستيراد قد ترتفع بشكل ملحوظ، في وقت سجل فيه الحساب الجاري عجزاً يقارب 3.2 مليار دولار خلال الربع الأول من السنة المالية الحالية.
تأثير التوترات الإقليمية على مصادر النقد الأجنبي
وأكد أن التوترات الإقليمية أثرت أيضاً على بعض مصادر النقد الأجنبي، حيث تراجعت إيرادات قناة السويس خلال العام الماضي بفعل اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر. وفي المقابل، تظل السياحة نقطة مضيئة نسبياً بعد تحقيق إيرادات تقارب 5.5 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي الحالي.
التضخم يتراجع… لكن المواطن لا يشعر سريعاً
وعلى المستوى الداخلي، أشار إلى ظاهرة يعرفها المواطن جيداً: الأسعار ترتفع بسرعة عندما يرتفع الدولار، لكنها لا تنخفض بنفس السرعة عندما يتراجع. ورغم تراجع التضخم العام إلى نحو 11.9% في يناير، وبلوغ التضخم الأساسي 11.2%، فإن هذا التحسن الرقمي لا ينعكس بالسرعة نفسها على إحساس المواطنين بتكلفة المعيشة.
هل أصبح 50 جنيهاً السعر الجديد للدولار؟
ويرى أن السؤال الأكثر إلحاحاً في الأسواق حالياً هو: هل أصبح مستوى الخمسين جنيهاً للدولار هو السعر الجديد للتوازن، أم أنه مجرد رد فعل مؤقت على صدمة جيوسياسية؟ وأوضح أن الإجابة ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات المشهد الإقليمي؛ فإذا استمرت حالة التصعيد قد نشهد ضغوطاً إضافية على العملة، أما إذا ظهرت بوادر تهدئة فقد تعود الأسواق تدريجياً إلى قدر من الاستقرار، وإن كان استعادة الثقة عادة ما تستغرق وقتاً أطول.
الاستقرار الحقيقي عندما يشعر به المواطن
واختتم حديثه قائلاً: إن الجنيه المصري يواجه حالياً ضغوطاً خارجية وتحديات داخلية في الوقت نفسه، ورغم أن المؤشرات الرسمية تعطي الاقتصاد قدرة على الصمود، فإن الاستقرار الحقيقي لن يشعر به المواطن إلا عندما ينعكس ذلك بوضوح على الأسعار وتكلفة المعيشة.
