أدى الأئمة اليوم الجمعة 26 من ذي الحجة - 12 يونيو، خطبة الجمعة في المساجد تحت عنوان: «أثر الاستقرار الأسري في بناء الإنسان». وأوضحت وزارة الأوقاف أن الهدف من الخطبة هو التوعية بركائز استقرار الأسرة وأثر ذلك في بناء إنسان صالح نافع لمجتمعه ووطنه.
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسى قواعد البيوت بالسكينة والقرار، وجعل الأسرة منبع الهدوء والاستقرار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأسرة المستقرة أساسًا لبناء المجتمعات وميدانًا رحبًا لغرس القيم والمكرمات. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أقام بيته على المحبة والوئام، وعلم أمته رعاية الأهل على الدوام.
اعلم أن البيت السعيد هو محضن الفطرة السوية وموئل السكينة النفسية. فنضج ذاتك يرتكز على طهارة السريرة ويكتمل بجمال السيرة، ويحتاج إلى رعاية بيت يسوده الود والوئام، وتتعلم فيه قيم المسؤولية والالتزام. وقد ربط القرآن الكريم بين السعادة الزوجية والطمأنينة الروحية والنفسية، فجعل البيت سكنًا يفيض بالأمن والسكينة. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
تدبر حقيقة القوامة الرشيدة القائمة على المودة والرحمة السديدة؛ فهي تنبض بالرفق والرعاية وتثمر في الأسرة الصلاح والهداية. تتبع وصية لقمان الحكيم وتعلم نهجه التربوي القويم، وعش سيرة داود مع ابنه سليمان عليهما السلام. فحين تستقيم قوامتك في بيتك استقامة وثيقة، تثمر في أبنائك تربية سديدة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع ومسئول عن رعيته... والرجل في أهله راع، وهو مسئول عن رعيته».
تذوق ثمرات التوافق الزوجي السعيد واغتنم بركات الاستقرار والعيش الرغيد. فإذا قام اختيار شريك الحياة على أساس الدين والأخلاق، سارت مركب الأسرة في ود واتساق. فيتعين عليك حسن المعاشرة، والتي تعني طيب الأقوال وحسن الأفعال مع التخلق بخلق التغافل عند الخلاف. قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.
تعامل بالحكمة مع تقنيات العصر الحديث واحذر حبائل المقارنات الخبيثة. فبعض وسائل التواصل الاجتماعي تهدد استقرار البيوت وتزلزل بنيانها الحصين بما تعرضه من صور مغرضة. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ومن هنا يتوجب عليك صون الخصوصية العالية وحفظ أسرار الحياة الزوجية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها».
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فاعلم أن هناك خطورة كبيرة في غياب التواصل بينك وبين أولادك.
أيها الوالد المكرم: اعلم أن غياب التواصل الحاني بين الآباء والأبناء جدار صامت يهدم الأسرة من داخلها ويقطع أواصر محبتها. فمن أخطر ما ابتليت به بعض الأسر في عصرنا الرقمي اجتماع الأجساد تحت سقف واحد بينما القلوب مفترقة. وحين يغيب الحوار الهادئ تصبح الأسرة كشجرة حرمت الماء فتذبل حتى تموت. تدبر كيف ضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في قصص الأنبياء الأخيار، كحوار خليل الرحمن إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
أيها الأب الحبيب: اعلم أن فجوة الغياب تدفع الأبناء للبحث عن آذان أخرى تسمعهم وتبعدهم عن حضن أسرتهم. فالابن أو البنت إن لم يجدا في بيتهما أذنا مصغية واهتمامًا، سيلتمسان ذلك عند رفقاء السوء وفضاء الإنترنت. فاعلم أن من أعظم سبل الرعاية أن يكون البيت ملاذًا آمنًا يفيض بالفهم والاحتواء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».



