خضع النهج الاقتصادي العالمي، خلال السنوات الخمس الماضية، إلى تحول جذري، بعد أن ابتعدت القوى الاقتصادية الكبرى عن سياسة "عدم التدخل"، التي سادت خلال السنوات الماضية، حتى أعادت طرح صناديق استثمار صناعية لتأمين المستقبل في مجالات أشباه الموصلات، أو الطاقة النظيفة، وحتى المعادن الحيوية. وبحلول 2026، بدأت البيانات الرسمية لتلك البرامج في الظهور، حتى رسمت صورة لتدفقات ضخمة لرؤوس الأموال واجهت تحديات ميدانية غير متوقعة.
تحولات هيكلية في فلسفة إدارة الصناعة
وشهد الاقتصاد العالمي، خلال الفترة من 2021 إلى 2026، تحولات هيكلية في فلسفة إدارة الصناعة، بعد أن تراجعت مقاربات السوق الحرة لصالح نموذج تقوده الدولة، ويعتمد على ضخ استثمارات مباشرة وتقديم حوافز إنتاجية واسعة، بهدف تأمين سلاسل الإمداد وتعزيز القدرة التنافسية في القطاعات الاستراتيجية. وبينما أطلقت أكبر الاقتصادات برامج صناعية ضخمة، بدأت البيانات الرسمية في الكشف عن نتائج أولية تعكس نجاحات ملموسة على مستوى جذب الاستثمارات وتحفيز الإنتاج، مقابل تحديات تشغيلية وتنفيذية ظهرت بشكل واضح على أرض الواقع.
الهند تربط الدعم الحكومي بالإنتاج الفعلي
برزت الهند كواحدة من أبرز التجارب العالمية في استخدام الحوافز المرتبطة بالإنتاج، التي تم إطلاقها لتحفيز الشركات على زيادة التصنيع المحلي وربط الدعم الحكومي بحجم الإنتاج الفعلي. ووفق البيانات الرسمية الصادرة في 2026، تمكنت هذه السياسات من جذب استثمارات خاصة تجاوزت 26 مليار دولار، وتحقيق نمو ملحوظ في قطاع التصنيع، خصوصاً مجال الإلكترونيات والهواتف المحمولة.
الولايات المتحدة تقود التحول عبر قانون الرقائق والعلوم
في المقابل، قادت الولايات المتحدة التحول عبر إطلاق قانون الرقائق والعلوم، الذي استهدف إعادة توطين صناعة أشباه الموصلات من خلال حزمة دعم ضخمة. وفي بدايات العام الجاري، جرى تخصيص الجزء الأكبر من التمويل المباشر الذي بلغ 39 مليار دولار، ما أسهم في جذب استثمارات خاصة تتجاوز 200 مليار دولار من كبرى الشركات، ما دفع نحو إنشاء مصانع ضخمة داخل الأراضي الأمريكية.
الاتحاد الأوروبي: فجوة بين التمويل والتنفيذ
وفي الاتحاد الأوروبي، اتسمت التجربة الصناعية بوجود فجوة واضحة بين توافر التمويل وسرعة التنفيذ، في ظل إطلاق مبادرات كبرى مثل الخطة الصناعية للصفقة الخضراء. وبالرغم من تخصيص موارد مالية ضخمة لدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، غير أن التقدم الفعلي تفاوت بين الدول الأعضاء. ونجحت بعض الاقتصادات في تسريع تنفيذ المشروعات، فيما واجهت أخرى عراقيل تنظيمية وبيروقراطية. وأظهرت التقييمات الرسمية أن تعقيد الإجراءات واختلاف القدرات المؤسسية بين الدول كانا من أبرز أسباب بطء التنفيذ، ما حدَّ من الاستفادة الكاملة من التمويل المتاح.
السعودية: بناء قاعدة صناعية من الصفر
وفي آسيا، وعلى مستوى الشرق الأوسط، تبنت المملكة العربية السعودية نموذجاً مختلفاً يقوم على بناء قاعدة صناعية من الصفر، من خلال أدوات تمويلية تقودها الدولة، أبرزها صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني. حيث أظهرت البيانات الاقتصادية استمرار النمو غير النفطي بمعدلات تتراوح بين 3.8% و5%، بالرغم من تقلبات سوق النفط، ما عكس نجاح الاستراتيجية في تنويع مصادر الدخل. واعتمدت التجربة السعودية على آلية "الإقراض المشترك"، حيث تلعب المملكة دور المستثمر الرئيسي لتقليل المخاطر أمام القطاع الخاص والبنوك الدولية، ما ساعد على تسريع تنفيذ المشروعات الصناعية. ورغم هذا التقدم، فلا تزال مسألة الاعتماد على العمالة الأجنبية تمثل أحد التحديات الهيكلية التي ستؤثر على استدامة النمو الصناعي في المستقبل.



