أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تقريرا جديدا يهدف إلى تحليل المشهد الراهن لاقتصاد البيانات في إفريقيا واستكشاف الاتجاهات الإقليمية والتحديات والفرص التي تشكل ملامح التحول الرقمي في القارة، مع إبراز موقع مصر ودورها المحوري في منظومة البيانات الرقمية الإفريقية. يعتمد منهج التقرير على التحليل الوصفي المقارن المستند إلى بيانات وتقارير صادرة عن مؤسسات دولية وإفريقية مثل البنك الإفريقي للتنمية والأمم المتحدة ووكالات البحث المتخصصة بهدف استخلاص الأنماط العامة واتجاهات النمو في قطاع البيانات الرقمية.
التحول الرقمي في إفريقيا
أوضح المركز أن العالم يشهد تحولا جذريا نحو الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت التكنولوجيا المحرك الأساسي لأنماط التفكير والعمل والتواصل في العصر الحديث. فاليوم، ست من أكبر سبع شركات في العالم من حيث القيمة السوقية تنتمي إلى قطاع التكنولوجيا، مما يعكس هيمنة البيانات والتقنيات الرقمية على الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تسير إفريقيا على خطى الاتجاهات العالمية، إذ يعد اقتصادها الرقمي وخاصة قطاع الاتصالات المتنقلة الأسرع نموا في القارة. ففي عام 2023، أسهم هذا القطاع بما نسبته 8.1% من الناتج المحلي الإجمالي الإفريقي، ووفر 3.6 ملايين وظيفة، وحقق إيرادات ضريبية بلغت 20 مليار دولار. ويبرز ذلك أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار بل أصبح عنصرا استراتيجيا في بنية الاقتصاد العالمي، كما يمثل بالنسبة لإفريقيا فرصة تاريخية لتسريع التنمية وبناء اقتصاد بيانات تنافسي قادر على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
تحسن تدريجي في مؤشرات التحول الرقمي
أوضح المركز من خلال التقرير أن هناك تحسنا تدريجيا في مؤشرات التحول الرقمي ورأس المال البشري في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة. فرغم استمرار الفجوات الهيكلية، ارتفع مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية (EGDI) في القارة إلى نحو 0.4247 عام 2024 مقارنة بنحو 0.4054 عام 2022، أي بزيادة قدرها نحو 4.8%، مما يعكس جهود الدول الإفريقية في رقمنة الخدمات العامة وتعزيز البنية الحكومية الرقمية. أما مؤشر رأس المال البشري (HCI) فقد بلغ نحو 0.4346 عام 2025، وهو ما يشير إلى أن ضعف الاستثمار في التعليم والمهارات التقنية لا يزال يشكل أحد العوائق أمام تسريع التحول الرقمي في القارة.
مصر تحقق قفزة نوعية
سلط التقرير الضوء على موقع مصر ودورها المركزي في منظومة البيانات والتحول الرقمي بالقارة. تمثل القدرات الوطنية لمصر في مجال البيانات والتحول الرقمي أساسا حيويا لدورها في القارة الإفريقية، إذ توفر الدولة بنية تحتية متطورة، وإطارا تشريعيا منظما، ومبادرات استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الابتكار الرقمي، ودعم الشمولية التكنولوجية، وتمكين مصر لتكون مركزا إقليميا للتقنيات الحديثة والخدمات الرقمية. فعلى صعيد مؤشر نضج الحكومة الرقمية (Digital Government Maturity Index) الصادر عن البنك الدولي، حققت مصر قفزة نوعية بتقدمها 47 مركزا عالميا لتصل إلى المركز 22 عالميا في تقرير 2025 ضمن الفئة الأعلى نضجا، مع ارتفاع درجة النضج إلى 0.911 من 1 مقابل 0.751 في تقرير 2022، بما يعكس تطورا كبيرا في رقمنة الخدمات الحكومية وتكامل المنصات الرقمية وتعزيز مشاركة المواطنين.
نمو سوق مراكز البيانات
أوضح التقرير أن سوق مراكز البيانات في مصر شهدت نموا متسارعا خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت قيمته نحو 278 مليون دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 694 مليون دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 16.47%. وتعد مصر من الأسواق الواعدة في إفريقيا في هذا المجال، حيث شهدت تدفقات استثمارية متزايدة منذ الأعوام الثلاثة الماضية مما يعكس ثقة المستثمرين في البيئة الرقمية المصرية وآفاق نموها المستقبلية. يُعزى توسع سوق مراكز البيانات في مصر إلى عدة عوامل رئيسة من أبرزها تسارع وتيرة التحول الرقمي، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وتنامي مشروعات المدن الذكية، فضلا عن الدعم الحكومي المستمر لتطوير هذا القطاع الحيوي.
الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي
مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي داخل سوق مراكز البيانات المصري، من المتوقع أن يشهد المستقبل القريب ظهور مراكز بيانات مجهزة خصيصا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، أعلنت مصر رسميا إطلاق النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لعام 2025-2030 في مطلع عام 2025 بهدف تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتقنيات الرقمية المتقدمة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. تسعى مصر بسرعة إلى ترسيخ مكانتها كمحور إقليمي لمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وترتكز الاستراتيجية الحكومية في هذا المجال على مبادرة "مصر الرقمية" و"رؤية مصر 2030"، واللتان تضعان في صميم أولوياتهما توسيع شبكات الألياف الضوئية، وتعزيز استخدام التقنيات الموفرة للطاقة، وتحفيز الاستثمارات الأجنبية من خلال المناطق التكنولوجية المتخصصة وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
النتائج التنموية الطموحة بحلول عام 2030
من خلال تحقيق الأهداف الاستراتيجية المحددة في إطار رؤية مصر للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ستتمكن الدولة من بلوغ مجموعة من النتائج التنموية الطموحة بحلول عام 2030، على النحو الآتي:
- من المتوقع أن يسهم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي المصري؛ مما يجعله أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
- سيستفيد نحو 26% من القوة العاملة المصرية المصنفة ضمن الفئات الهامشية من أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تعزيز الشمول الرقمي وخلق فرص عمل جديدة تعتمد على التكنولوجيا.
- مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يصل معدل استفادة الجمهور العام من تطبيقات ومنتجات الذكاء الاصطناعي إلى 36% خلال خمس سنوات، بما يعني دمج هذه التقنيات تدريجيا في الحياة اليومية للمواطنين عبر مختلف القطاعات.
- من المنتظر أن يصل عدد المتخصصين والخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي إلى نحو 30 ألف خبير بحلول عام 2030، ما يعكس تنامي القدرات البشرية المصرية في هذا المجال الحيوي.
- تستهدف الدولة تمكين ودعم تأسيس أكثر من 250 شركة ناجحة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي داخل مصر، بما يعزز الابتكار وريادة الأعمال في الاقتصاد الرقمي.
- يُتوقع أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي التوليدي، في تسريع وتيرة البحث الأكاديمي، ليصل عدد المنشورات البحثية السنوية في هذا المجال إلى نحو 6000 منشور، أي ما يعادل ضعف المعدل الحالي، وبذلك تُرسخ مصر مكانتها كمركز إقليمي للتعاون البحثي والتطوير العلمي في الذكاء الاصطناعي.



