في مرحلة دقيقة تتشابك فيها أزمات الهوية الاقتصادية مع اختلالات هيكل الإيرادات وتحديات نموذج التنمية، يواجه الاقتصاد المصري ضغوطاً متزايدة تنعكس آثارها بشكل مباشر على المجتمع ومستوى المعيشة. وفي هذا السياق، يقدم الدكتور حسن الصادي، الخبير الاقتصادي، قراءة تحليلية عميقة للمشهد الاقتصادي في حديث خاص لـ"فيتو"، لطرح رؤية شاملة لمعالجة جذور المشكلات، موضحاً أسباب غياب الهوية الاقتصادية الواضحة، وآليات إعادة بناء اقتصاد إنتاجي قادر على خلق فرص العمل وتعزيز الإيرادات، بعيداً عن الاعتماد المستمر على القروض والضرائب كحلول مؤقتة للأزمات المتلاحقة.
هوية الاقتصاد المصري ليست مصطلحاً بل محوراً لإعادة التخطيط
يقول الدكتور حسن الصادي إن هوية الاقتصاد المصري ليست مجرد مصطلح نظري، بل محور حقيقي لإعادة البناء والتخطيط لمستقبل أكثر إنتاجية واستدامة، لفهم الأزمة الحالية واستشراف الحلول الممكنة. ويمثل ذلك فرصة فريدة لتسليط الضوء على جوهر الاقتصاد المصري وتحديد الاتجاهات المستقبلية التي يمكن أن تعيد له الحيوية والهوية الاقتصادية التي طالما افتقدها.
توصيف هوية الاقتصاد المصري
تابع الصادي حديثه قائلاً: "أزمة الاقتصاد المصري تبدأ من غياب هوية اقتصادية واضحة ومحددة"، موضحاً أنه حتى الآن لم نحسم طبيعة الاقتصاد أو القطاع الذي يمثل قاطرة التنمية الرئيسية فيه. وأشار إلى حالة من عدم الوضوح بشأن توصيف الاقتصاد المصري، متسائلاً: "هل نحن أمام اقتصاد زراعي؟ أم اقتصاد صناعي؟ وهل يقوم على الصناعات النسيجية أم الصناعات التحويلية أم الصناعات التجميعية؟ وهل نتجه إلى الصناعات الثقيلة أم إلى التصنيع الزراعي أم مجرد الإنتاج الزراعي؟". وأضاف أن الأمر لا يتوقف فقط عند الصناعة أو الزراعة، بل يمتد أيضاً إلى قطاع السياحة، متسائلاً: "هل الاقتصاد المصري قائم بالأساس على السياحة؟ وإذا كان كذلك، فما نوع السياحة التي نعتمد عليها؟ هل هي سياحة دينية أم ثقافية أم تاريخية؟" وأكد أن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يعكس عدم وجود رؤية اقتصادية محددة المعالم للدولة، فنحن لا نمتلك حتى الآن هوية اقتصادية حقيقية أو برنامجاً حكومياً واضحاً وملزماً يحدد اتجاه الاقتصاد ومستقبله.
السردية الوطنية الأولى والثانية
أكد الدكتور حسن الصادي أن ما عرف بالسردية الوطنية الأولى والثانية، التي أعدتها الدكتورة رانيا المشاط، لم تتحول إلى خطط تنفيذية ملزمة للحكومات المتعاقبة، موضحاً أن الوزراء الذين جاؤوا بعد ذلك لم يكونوا ملتزمين بتطبيق ما ورد فيها، ولم يتم تنفيذ أي جزء حقيقي منها على أرض الواقع. وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن من قام بكتابة هذه السرديات لم يكن هو نفسه المسؤول عن تنفيذها، متسائلاً: "هل تمت صياغتها من خلال مجموعة من الخبراء داخل الدولة بحيث تصبح وثيقة مستمرة وملزمة لأي وزير قادم؟" ثم أجاب: "لا، فهي مجرد سردية مرتبطة بمجموعة أفراد وليست مرتبطة بالدولة نفسها".
الاقتصاد المصري والضرائب
نوه الصادي إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات، حيث إن 85% من إيرادات الدولة تعتمد على الضرائب، كما أن الموازنة العامة للدولة تستهدف زيادة الحصيلة الضريبية لتلبية أعباء الدولة. وأوضح أن الاقتصادات المتقدمة تعتمد على الضرائب بالدرجة الأولى وليس على النشاط التشغيلي للدولة، حيث تهيئ مناخ عمل مناسب لكافة الأطراف في الدولة ولكافة المنتجين، سواء كانوا محليين أو أجانب، ليتمكنوا من العمل وزيادة أرباحهم، ومن ثم دفع الضرائب المستحقة، بما يتيح الإنفاق على الجهاز الإداري للدولة. وبالتالي، يجب أن يكون المصدر الأول لتمويل الموازنة قائماً على برامج اقتصادية تؤدي إلى زيادة إيرادات الاقتصاد، إذ إن حصيلة الدولة من الإيرادات هي التي تمكّنها من الوفاء بكافة التزاماتها.
نموذج لرأسمالية الدولة وليس رأسمالية مجتمع الأعمال
يقول الدكتور حسن الصادي لـ"فيتو": إن النموذج المصري الحالي، عندما بدأنا في تأسيس نموذج اقتصادي حالي، كنا نقول إنه نموذج لرأسمالية الدولة، وليس رأسمالية مجتمع الأعمال. وبالتالي، فإن أي رجل أعمال يريد العمل تحت عباءة الدولة، كما في نموذج الصين، يمكنه ذلك. فالصين نموذج رأسمالي لكن تحت عباءة الدولة، حيث يعمل تحت إشراف الدولة. ما حدث في الفترة الأخيرة يوضح أن الدولة يجب أن تكون هي المنظمة للحياة الاقتصادية تحت عباءتها. هناك فرق كبير جداً بين أن تنظم الدولة الحياة الاقتصادية في نظام رأسمالي، وبين أن تدخل كطرف شريك في إدارة المشروعات أو تكون هي المشغل الرأسمالي للدولة، حيث إنها لا تستطيع أن تكون هي المشغل الرأسمالي، لكنها تستطيع أن تكون المنظم الرأسمالي، بما يعظم إيرادات الدولة. قد توجه الدولة في ظل النموذج الحالي الأنشطة الاقتصادية التي تحتاجها، فكان من الممكن أن تقوم الدولة بتوجيه رجال الأعمال لإقامة المشاريع العملاقة والبنية التحتية بدلاً من قيامها بها بنفسها، من خلال منحهم جزءاً من الأراضي والتسهيلات.
أبرز الأسباب الهيكلية لاستمرار الأزمات الاقتصادية في مصر
أشار الصادي إلى أن الأسباب الهيكلية تعود بالدرجة الأولى إلى الأفراد، حيث إن القروض جاءت بسبب مجموعة من الأفراد الذين قاموا بالاستدانة، وبالتالي فإن المشكلة الهيكلية للاقتصاد قائمة على الأفراد وليست على الموارد. وأكد أن مصر تمتلك مورداً بشرياً يعد من أهم مواردها، ولدينا ما يكفي من الكفاءات القادرة على إدارة اقتصاد قارات وليس اقتصاد مصر فقط، لكن المشكلة تكمن في الاختيار، فهناك بعض الوزراء قد يكونون مناسبين لوزارات معينة، لكنهم يتواجدون في وزارات أخرى، وفي أحيان كثيرة نرى تطبيق ذلك في بعض الوزارات والهيئات، مثل وزارة الاستثمار وهيئة الاستثمار والمناطق الحرة.
فرص التحول إلى نموذج اقتصادي إنتاجي بدلاً من الريعي
أكد الصادي أن الاقتصاد المصري ليس اقتصاداً ريعياً، ولا يمكن القول إنه كذلك، ولذلك يجب أن نحترم أنفسنا ونسعى للتحول إلى اقتصاد حقيقي إنتاجي. وأوضح أن العنصر الإنتاجي المتوفر والمهم لدينا هو البشر، لذا يجب الاعتماد في النموذج الاقتصادي على الأنماط الاقتصادية التي تعتمد على العمالة البشرية والتحصيل، فتكلفة الأفراد والعمالة في الدول الغربية مرتفعة جداً، بينما العالم العربي يمتلك عمالة رخيصة نسبياً. كما يجب الاهتمام بصناعات الغزل والنسيج والصناعات اليدوية، حيث إن المنتجات اليدوية التي تعتمد على الصناعات البشرية قيمتها أعلى من الصناعات التي تعتمد على الميكنة.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة في ظل المعطيات الحالية
اختتم الصادي تصريحاته بأن السيناريوهات المستقبلية تشير إلى أننا لن نستطيع سداد المستحقات الموجودة علينا في ظل الهيكل الاقتصادي الحالي الذي نعمل به، وبالتالي يجب الانتقال إلى هيكلة اقتصادية مختلفة حتى نتمكن من سداد المديونيات القائمة. فالنتيجة الحالية تشير إلى أن الدولة المصرية لن تستطيع الاستمرار بنفس الإطار والهيكل الاقتصادي الحالي خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة، وذلك بسبب الانشقاقات والتوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى ما يُقال عن تجفيف الولايات المتحدة لموارد الدول الخليجية، وبالتالي قد لا تجد الدول الخليجية ما يكفي لإقراض مصر. وفي هذه الحالة، ستكون هناك معاناة اقتصادية تتطلب الاعتماد على احترام الذات وزيادة الإنتاج.



