التحول الأكبر داخل المصانع: كيف تستعد مصر لمرحلة ما بعد الوقود التقليدي؟
مصر تستعد لمرحلة ما بعد الوقود التقليدي في المصانع

في إطار توجه الدولة نحو تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة التوسع في استخدام أنظمة الخلايا الشمسية داخل المصانع لإنتاج الكهرباء، باعتبارها خطوة محورية لتنويع مصادر الطاقة وتخفيف الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، إلى جانب دعم خطط التحول نحو الطاقة المتجددة على نطاق واسع.

استراتيجية شاملة لتعزيز أمن الطاقة

جاء ذلك خلال اجتماع عقده الرئيس السيسي مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والفريق أحمد الشاذلي مستشار رئيس الجمهورية للشئون المالية، حيث تم استعراض الموقف التنفيذي لمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وجهود الدولة في تطوير هذا القطاع الحيوي.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن الاجتماع تناول خطة وزارة الكهرباء لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة المصري، بما يساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب متابعة مشروعات التوسع في الطاقة النظيفة خلال العامين المقبلين، وخطط ممتدة حتى عام 2040.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كما استعرض وزير الكهرباء الجهود المبذولة لتطوير الشبكة القومية للكهرباء، بما يضمن قدرتها على استيعاب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، مع استهداف رفع نسبة مساهمة الطاقة النظيفة إلى نحو 45% بحلول عام 2028، في إطار استراتيجية شاملة لتعزيز أمن الطاقة في مصر.

ويأتي التوجه نحو إدخال أنظمة الطاقة الشمسية داخل المصانع ضمن رؤية أوسع لدمج القطاع الصناعي في منظومة التحول الأخضر، بما يقلل من تكاليف التشغيل، ويعزز كفاءة استهلاك الطاقة، ويدعم تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق المحلية والعالمية.

التوسع في استخدام الطاقة الشمسية

من جانبه، قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول، إن التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل مصر يمثل خيارًا اقتصاديًا واعدًا، في ظل ما تتمتع به البلاد من ظروف مناخية مثالية تجعلها من أكثر الدول ملاءمة للاستفادة من الطاقة الشمسية بشكل واسع، سواء على مستوى الاستخدام المنزلي أو الصناعي.

وأضاف أبو العلا أن مصر تُعد من أعلى دول العالم من حيث معدلات سطوع الشمس، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جدوى مشروعات الطاقة الشمسية، موضحًا أن هذه الأنظمة تحقق وفرًا كبيرًا في استهلاك الكهرباء على المدى الطويل، خاصة داخل المصانع، حيث يمكن استرداد تكلفة التركيب خلال فترة تتراوح بين 6 و7 سنوات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأشار إلى أن دعم هذا التوجه يتطلب توفير آليات تمويل مرنة تساعد الأفراد وأصحاب المصانع على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية دون أعباء مالية كبيرة، لافتًا إلى أن هذه المنظومات تمنح المستخدم استقرارًا نسبيًا في تكلفة الطاقة وتقلل من تأثره بتقلبات أسعار الكهرباء التقليدية، كما دعا إلى إعادة تفعيل مبادرات التمويل التي أطلقها البنك المركزي سابقًا وتوسيع نطاقها لتشمل شرائح أكبر.

وشدد أستاذ هندسة البترول على أهمية التوسع في نموذج “الطرف الثالث”، الذي تتولى فيه شركات متخصصة تنفيذ وتشغيل محطات الطاقة الشمسية مقابل بيع الكهرباء للمستخدم بسعر أقل من الشبكة التقليدية، موضحًا أن تنفيذ مثل هذه المشروعات قد يستغرق نحو ستة أشهر تشمل مراحل الإنشاء والتعاقد والتركيب، مع وجود منصات وخدمات متخصصة تسهل الإجراءات وتسرع من عملية التطبيق.

شمس الصناعة

في هذا السياق، تتحرك الحكومة المصرية نحو إطلاق واحد من أكبر برامج الطاقة الشمسية الصناعية في المنطقة، عبر مبادرة جديدة تحت اسم “شمس الصناعة”، تستهدف تحويل أسطح آلاف المصانع إلى محطات توليد كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي، وخفض الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، وتقليص تكلفة الإنتاج الصناعي، بالتوازي مع دعم توجه الدولة نحو “الصناعة الخضراء” والتصدير منخفض الكربون.

وجاء طرح المبادرة خلال اجتماع موسع برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وبمشاركة وزراء الكهرباء والبترول والمالية والصناعة والاستثمار، إلى جانب البنك المركزي، في إطار تنسيق حكومي شامل لدمج قطاع الطاقة مع الصناعة والاستثمار.

1000 ميجاوات من أسطح المصانع

وبحسب العرض المقدم من وزارة الصناعة، تستهدف المبادرة الوصول إلى قدرة إجمالية تصل إلى 1000 ميجاوات من الطاقة الشمسية، من خلال تركيب أنظمة توليد كهرباء فوق نحو 7000 مصنع في مختلف القطاعات الإنتاجية، بما يعادل قرابة 10% من إجمالي المصانع المعتمدة في مصر.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن تنفيذ المشروع يتطلب ما يقرب من 7 ملايين متر مربع من الأسطح الصالحة للاستخدام، بمتوسط قدرة مركبة تصل إلى نحو 150 كيلووات لكل مصنع، مع إمكانية زيادة القدرات في المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة.

خفض الضغط على الطاقة وتكاليف الإنتاج

وتراهن الحكومة على المبادرة كأداة مباشرة لتقليل استهلاك الغاز الطبيعي داخل القطاع الصناعي، خاصة خلال فترات الذروة، بما ينعكس على تخفيف الأحمال عن محطات الكهرباء التقليدية. كما تستهدف المبادرة تقليل فاتورة استيراد الوقود، في ظل التوسع التدريجي في مشروعات الطاقة المتجددة، واستغلال الإمكانات الشمسية الكبيرة التي تتمتع بها مصر. ويُنظر إلى المشروع باعتباره خطوة لتعزيز أمن الطاقة داخل القطاع الصناعي ورفع قدرته على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.

دعم الصادرات منخفضة الكربون

تولي الحكومة أهمية خاصة للبُعد البيئي للمبادرة، إذ تسهم في خفض “البصمة الكربونية” للقطاع الصناعي، وهو عامل بات مؤثرًا في حركة التجارة العالمية، خصوصًا مع تطبيق الاتحاد الأوروبي لآليات تسعير الكربون على بعض الواردات كثيفة الانبعاثات. وتهدف المبادرة إلى تعزيز تنافسية الصادرات المصرية عبر تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري داخل العمليات الإنتاجية، بما يدعم توجه الدولة نحو التوسع في سلاسل الإمداد النظيفة والتصنيع المستدام، مع إمكانية تحويل مصر إلى مركز إقليمي يجمع بين الصناعة والطاقة النظيفة والتصدير.

دفعة لصناعة مكونات الطاقة الشمسية

وتأتي المبادرة بالتوازي مع توسع ملحوظ في صناعة مكونات الطاقة الشمسية داخل مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث يجري تطوير مشروعات لتصنيع الخلايا والألواح الشمسية على نطاق واسع. ومن بين هذه المشروعات، مصنع “إيليت سولار” الذي يستهدف إنتاج ما يصل إلى 5 جيجاوات سنويًا من الخلايا والألواح، إلى جانب مشروع “صن ريف سولار” لتوطين صناعة المكونات الشمسية. كما تجري مفاوضات مع شركات دولية لإنشاء مصانع للزجاج الشمسي ومستلزمات الإنتاج داخل المنطقة الاقتصادية. ومن المتوقع أن تمثل مبادرة “شمس الصناعة” سوقًا ضخمة لهذه الصناعة الناشئة، عبر خلق طلب واسع على الألواح والخلايا وأنظمة التحويل والهياكل المعدنية والكابلات، بما يعزز توطين الصناعة ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويدعم في الوقت نفسه استراتيجية مصر للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.