قال الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، إن قرار الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت الفائدة عند نطاق 3.5% إلى 3.75% ليس قرارًا أمريكيًا داخليًا فقط، بل هو إشارة تنتقل سريعًا إلى العملات والسندات وأسعار الطاقة وتكلفة التمويل في الاقتصادات المتقدمة والناشئة معًا. وأضاف أن كلما تردد الفيدرالي بين الخفض والتثبيت والرفع، دخلت بقية البنوك المركزية في منطقة رمادية، تتساءل: هل تتبع واشنطن أم تدافع عن عملاتها أم تحمي النمو من كلفة اقتراض أعلى؟
تأثير اتفاق هرمز وانخفاض النفط
وأكد أبو الفتوح أن المشهد يبدو مزدحمًا بإشارات متعارضة، فالاتفاق الأمريكي الإيراني قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف ضغط الطاقة، مما يمنح العالم خبرًا مريحًا. ويرى أن انخفاض النفط يقلل جزءًا من تكلفة النقل والإنتاج ويهدئ فواتير الوقود ويمنح الأسر والشركات مساحة تنفس، لكن هذه الراحة لا تكفي وحدها لتغيير اتجاه السياسة النقدية العالمية إذا بقي التضخم الأميركي عنيدًا، وبقي سوق العمل قويًا بما يكفي لمنع الفيدرالي من إعلان النصر.
الأرقام تعكس التوتر
وأشار إلى أن الأرقام تعكس هذا التوتر بوضوح: التضخم الأمريكي عند 4.2%، والتضخم الأساسي عند 2.9%، والاقتصاد أضاف 172 ألف وظيفة، مع بطالة عند 4.3%. هذه ليست صورة اقتصاد منهك يحتاج خفضًا سريعًا للفائدة، بل صورة اقتصاد ما زال قادرًا. وأوضح أبو الفتوح أن قوة أمريكا لا تبقى للداخل فقط، فهي تدفع الدولار وتشد عوائد السندات وتجعل التمويل الخارجي أثقل على دول كثيرة.
تأثير الفيدرالي على العالم الحقيقي
وأضاف أن هنا يظهر أثر الفيدرالي على العالم الحقيقي: دولة ناشئة تحتاج إلى تمويل خارجي ستدفع تكلفة أعلى إذا بقي الدولار قويًا، وشركة تستورد الطاقة أو الغذاء ستعيد تسعير بخاطرها إذا تحركت الفائدة الأمريكية عكس توقعات السوق، وبنك مركزي في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية قد يجد نفسه أمام اختيار صعب: خفض الفائدة لدعم النمو، أو التمهل حتى لا يضغط على عملته ويستورد موجة تضخم جديدة.
ولفت إلى أن اتفاق هرمز، إذا خفف أسعار النفط، قد يعطي هذه الاقتصادات بعض الوقت، فالوقت هنا مهم، فكل دولار أقل في فاتورة الطاقة يخفف الضغط على الحسابات الخارجية ويقلل الحاجة إلى دعم العملة. غير أن هذا الوقت لا يتحول إلى حصانة، فلو بقي الفيدرالي متشددًا ستظل رؤوس الأموال تفضل العائد الآمن في الولايات المتحدة، وستظل الأسواق الناشئة مطالبة بأن تدفع ثمنًا أعلى لجذب السيولة.
انتظار العالم
وتابع قائلاً: في تقديري، تثبيت الفائدة هنا ليس علامة هدوء عالمي، بل هو إعلان انتظار. العالم ينتظر: هل سيغلب أثر النفط الهابط أم أثر الوظائف القوية؟ ينتظر هل سيقرأ كيفن وارش البيانات باعتبارها دعوة للصبر أم فرصة لفتح باب التيسير؟ وينتظر أيضًا هل يستطيع الفيدرالي مقاومة الضغط السياسي حتى لا تتحول السياسة النقدية إلى رد فعل قصير على خبر طاقة أو تقرير وظائف.
المفارقة في اتفاق هرمز
وأضاف الخبير الاقتصادي أن المفارقة أن اتفاق هرمز قد يريح العالم من جانب الطاقة، لكنه لا يريحه من جانب الدولار. فالأسواق لا تتحرك بالنفط وحده ولا بالتضخم وحده، وإنما بمزيج من الثقة والفائدة والسيولة. لذلك قد يكون الخطر في أن يقرأ العالم تراجع النفط كإشارة أوسع مما يحتملها الواقع.
واختتم حديثه قائلاً: قرار الفيدرالي لا يحدد كلفة المال في أمريكا فقط، بل هو يعيد توزيع الضغط على بقية الاقتصادات. فإذا منح النفط العالم هدنة قصيرة، فإن الفائدة الأمريكية ستقرر إن كانت هذه الهدنة ستتحول إلى تنفس حقيقي أم إلى استراحة مؤقتة قبل جولة ضغط جديدة.



