يعاني قطاع الكيماويات الأوروبي أزمة حادة تتسم بارتفاع أسعار الطاقة، وضعف الطلب، واشتداد المنافسة من الصين، الأمر الذي انعكس بتداعياته بشكل خاص على ميناء روتردام، أحد أهم مراكز صناعة الكيماويات العالمية.
تأثير حرب إيران على التكاليف
قالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية إن خلال العام الماضي، توقفت شركتان من أصل عشر شركات في الميناء عن العمل نتيجة لهذه الضغوط المتزايدة، مما يبرز هشاشة القطاع أمام الصدمات السوقية الخارجية. وأضافت أن حرب إيران فاقمت من تكاليف الطاقة، وساهمت في تقلب أسعار المواد الخام الأساسية مثل "النفتا"، ما أثر بشدة على أسواق الكيماويات النهائية.
تحذيرات من انهيار المنظومة
يرى الرئيس التنفيذي لشركة "هانتسمان"، بيتر هانتسمان، أن هذا الوضع يعكس مدى تأثر أوروبا بالاضطرابات العالمية. ويعرب محللون مثل جيمس هوبر من شركة "بيرنشتاين" عن قلقهم من أنه في حين قد تتيح الأزمة مزايا مؤقتة لبعض المنتجين الأوروبيين، فإن اتفاق السلام قد يعيد القطاع إلى التحديات السابقة، مما قد يؤدي إلى سلسلة من إغلاق المصانع وزعزعة استقرار سلاسل القيمة المتكاملة. وتحذر نائبة الرئيس التنفيذي لشركة "ليونديل باسيل"، إيفون فان دير لان، من أن عمليات الإغلاق هذه قد تؤدي إلى انهيار المنظومة الكاملة لصناعة الكيماويات.
تراجع الاستثمار وإغلاق المصانع
تشير الصحيفة إلى أن قرار شركة "ميتسوبيشي" الأخير بوقف بناء وحدة إنتاج حيوية لمادة "إم إكس دي إيه" الكيميائية، المستخدمة في الطلاءات عالية الأداء للسفن، يعكس هذا التوجه الأوسع. ويكشف تقرير صادر عن "رابطة الصناعات الكيميائية الأوروبية" (سيفيك) أن عمليات إغلاق المصانع في جميع أنحاء أوروبا تضاعفت ست مرات خلال أربع سنوات، مما أدى إلى خسارة عُشر الطاقة الإنتاجية الإجمالية، وأثر بشكل مباشر على حوالي 20 ألف وظيفة. وانخفض الاستثمار في القطاع بأكثر من 80% خلال العام الماضي.
عوائق هيكلية وتحديات تنافسية
يشير قادة الصناعة إلى تكاليف الطاقة في أوروبا التي تبلغ تاريخياً ضعف مثيلاتها في الولايات المتحدة والصين على الأقل، علاوة على بطء إجراءات الترخيص، والبنية التحتية القديمة، والتشريعات المناخية الصارمة، باعتبارها عوائق كبيرة. وتؤكد هذه العوامل تأثيرها على إنتاج المواد الأساسية مثل الكلور لتنقية مياه الشرب والفينولات المستخدمة في لوحات الدوائر الإلكترونية.
الاعتماد على الواردات الصينية
بينت الصحيفة أن اعتماد أوروبا على الواردات الصينية من المركبات الكيميائية الحيوية برز خلال جائحة "كوفيد-19"، حين وجدت نفسها عاجزة عن إنتاج "الباراسيتامول" محلياً بسبب اعتمادها على المكونات الفعالة المستوردة. وأكد المدير العام لـ"الاتحاد الأوروبي للصناعات الكيميائية"، ماركو مينسينك، أن الأزمة الراهنة دفعت الشركات إلى حافة الانهيار، وحث على ضرورة إعادة تنشيط قدرات أوروبا الإنتاجية الكيميائية لتحقيق الاستقلال والأمن.
الترابط الصناعي وخطر الانهيار
تنظّم مرافق الإنتاج في الصناعة الكيميائية عادة في تجمعات للاستفادة من البنية التحتية المشتركة، مما ينشئ شبكة مترابطة حيث يمكن للمنتجات الثانوية من شركة أن تشكل موارد أساسية لشركة أخرى. ويعد تجمع الكلور في روتردام مثالاً على هذا الترابط؛ فقد أدى إغلاق منشآت مثل "ترونوكس" و"ويستليك كوربوريشن" إلى انخفاض الطلب على الكلور الذي تنتجه "نوبيان"، مما زاد الضغط على الشركات المحلية. وفي حال إغلاق "نوبيان"، ستواجه هذه الشركات تكاليف أعلى لاستيراد المواد من الخارج.
ظاهرة منتشرة في أوروبا
ذكرت الصحيفة أن هذه المشكلة لا تقتصر على روتردام فحسب، بل هي ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء أوروبا، حيث تربطها خطوط أنابيب بمدن مثل "أنتويرب"، وتخدم مناطق صناعية في ألمانيا حيوية لقطاعات مثل صناعة السيارات. وشبّه أحد رواد صناعة الكيماويات الأوروبية، ماتياس بيرنينجر، الوضع بلعبة "برج جينجا" المترنح، حيث يهدد غياب الاستثمار والدعم المدروسين استقرار المواقع القائمة التي استغرق تطويرها عقوداً.
المملكة المتحدة مثال تحذيري
اعتبرت الصحيفة أن المملكة المتحدة تعد مثالاً تحذيرياً، حيث تراجع قطاعها الكيميائي المزدهر سابقاً ليصبح ظلاً لما كان عليه، نتيجة سنوات من نقص الاستثمار وإخفاقات السياسات. وشهدت انخفاضاً حاداً في إنتاج المواد الكيميائية، مع انخفاضات كبيرة في إنتاج الأمونيا، واعتماداً هشاً على مصنع كلور واحد متقادم.
توقعات مستقبلية قاتمة
قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية، كان المنتجون الأوروبيون يعانون فائضاً في المواد الكيميائية المنتجة بأسعار زهيدة من الصين. ورغم أن الظروف الأخيرة وفرت انفراجة مؤقتة، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة وتطور البيئة التنظيمية لا يزالان يشكلان مخاطر كبيرة. وتشير تقارير حديثة إلى انخفاض متوقع في إنتاج المواد الكيميائية في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 2.2% بحلول عام 2026، وهو ما يمثل نظرة أكثر تشاؤماً مما كان متوقعاً سابقاً.
وتعد تكاليف الطاقة اللازمة للإنتاج أعلى بكثير في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، مما دفع قادة الصناعة إلى المطالبة بتخفيف القيود التنظيمية. ورغم تحقيق فائض تجاري في عام 2025، إلا أن هذا الفائض كان مدعوماً بشكل كبير بالمواد الكيميائية المتخصصة، في حين شهدت السلع الأساسية الضرورية للتصنيع انخفاضاً. وتؤكد تصريحات هانتسمان على ضرورة أن تختار أوروبا بين الحفاظ على قوة تصنيعها أو الانتقال إلى اقتصاد موجه تقوده الخدمات، مما يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل قطاعها الكيميائي.



