عقد من حملات "اطفِ اللمبة".. هل نجحت مصر في ترشيد استهلاك الكهرباء؟
بعد مرور 10 سنوات على انطلاق حملات ترشيد الكهرباء في مصر، والتي بدأت في عام 2016 تحت شعار "اطفِ اللمبة"، تبرز تساؤلات حول فعالية هذه الرحلة في تغيير ثقافة الاستهلاك وتحقيق أهداف الدولة. فمن الإعلانات التليفزيونية التوعوية إلى القرارات الحكومية الملزمة، شهدت السياسات تحولات كبيرة في ظل المتغيرات العالمية والسعي لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
بداية الرحلة: من الأزمات إلى الحملات الإعلامية
في أعقاب أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي ضربت مصر في عامي 2014 و2015، أطلقت الدولة مبادرات وحملات إعلامية مكثفة في عام 2016، بهدف تغيير عادات الاستهلاك لدى المواطنين. تصدر شعار "اطفِ اللمبة" المشهد كرسالة مباشرة تستهدف جميع فئات المجتمع، حيث تم بث الحملات عبر وسائل الإعلام المختلفة، مع التركيز على تقليل الاستخدام غير الضروري للكهرباء في المنازل وأماكن العمل. اعتبرت الدولة أن سلوك المواطن يمثل عنصرًا حاسمًا في إدارة الطلب على الطاقة، رغم الإنشاءات الكبيرة لمحطات إنتاج الكهرباء التي استمرت دون توقف.
من التوعية إلى الإلزام: تحول في سياسات 2026
مع حلول أبريل 2026، عادت سياسات ترشيد الكهرباء إلى الواجهة بقوة، ولكن بأسلوب مختلف لم يعد يقتصر على الحملات التوعوية فقط. فقد أقرت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي مجموعة من الإجراءات الملزمة، شملت تنظيم مواعيد غلق المحال التجارية، وتقليل الإضاءة في الشوارع والمنشآت الحكومية، وإطفاء الإعلانات المضيئة على الطرق. كما شهدت الفترة حملات إعلانية جديدة شارك فيها عدد كبير من الفنانين للحث على ترشيد الاستهلاك، بينما اتخذت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة خطوات تنفيذية مثل متابعة استهلاك الجهات الحكومية وتعزيز كفاءة التشغيل.
أرقام النجاح: وزير الكهرباء يكشف عن وفر ملموس
كشف الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، عن تحقيق وفر كبير خلال الأسبوع الأول من تطبيق الإجراءات الحكومية. بلغ الوفر في الطاقة 18 ألف ميجاوات ساعة، وفي الوقود 3.5 مليون متر مكعب. وأوضح أن "يوم العمل عن بُعد" ساهم بوفر 4700 ميجاوات ساعة و980 ألف متر مكعب من الوقود، مؤكدًا نجاح أنماط التشغيل والالتزام بمعايير الجودة. كما أشار إلى تحقيق وَفْر عام في الوقود المستخدم بلغ 2.1% خلال شهر مارس، رغم زيادة الطاقة المنتجة بنسبة 3.3% مقارنة بالعام الماضي. وأضاف أن هناك مبادرات جارية بالشراكة مع المؤسسات المعنية لتعزيز كفاءة الطاقة وترسيخ ثقافة الترشيد، مع الإشادة بدور شركات توزيع الكهرباء.
وجهة نظر الخبراء: التركيز على الفقد الكهربي
في المقابل، يرى الدكتور أمجد الوكيل، أستاذ نظم القوى الكهربائية، أن العمل على تقليل الهدر وسرقة الكهرباء أكثر إفادة من ترشيد الاستهلاك. أوضح أن الوفر المتحقق من الإجراءات الحالية، إذا استمر لمدة عام كامل، لا يتجاوز 0.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر، والذي يتخطى 210 مليار كيلووات ساعة سنويًا. بينما تشير التقديرات إلى أن الفقد الكهربي (الفني والتجاري) يتراوح بين 15% و20%، مما يعني أن خفض الفقد بنسبة 1% فقط يعادل أكثر من ضعفي الوفر من الترشيد. كما أشار إلى أن مصر لا تعاني من عجز في القدرات الكهربائية، بل تمتلك فائضًا مريحًا، وبالتالي فإن إجراءات الترشيد تستهدف خفض تكلفة التشغيل وتقليل الضغط على موارد النقد الأجنبي، مع تساؤل حول كفاءة الأدوات المستخدمة مثل الإغلاق المبكر للنشاط التجاري.
باختصار، بعد عقد من الزمن، تواجه مصر مفارقة بين نجاحات محدودة في ترشيد الاستهلاك وتحديات جسيمة في الفقد الكهربي، مما يطرح أسئلة حول أولويات السياسات المستقبلية في قطاع الطاقة.



