شهادات دولارية وأوعية استثنائية.. تدوير مدخرات المغتربين بأدوات غير تقليدية
تدوير مدخرات المغتربين بأدوات غير تقليدية

تستهدف السياسات النقدية في مصر إعادة تدوير مدخرات المصريين بالخارج داخل القنوات الرسمية، من خلال طرح مبادرات مصرفية وحوافز استثمارية لجذب العملات الأجنبية، منها شهادات دولارية وأوعية استثنائية، وقد أثمرت هذه الجهود عن قفزة تاريخية في التحويلات.

أدوات جذب المدخرات

تتمثل هذه الأدوات في مبادرات وحوافز رسمية لتوفير أوعية ادخارية وخدمات مخصصة تضمن للمغتربين استثمار أموالهم بأمان ومرونة، منها مبادرة «افتح حسابك في مصر» التي أطلقها البنك المركزي بالتعاون مع وزارة الخارجية لتمكين المصريين بالخارج من فتح حسابات بنكية في البنك الأهلي المصري وبنك مصر بسهولة عبر السفارات والقنصليات في الدول المختلفة.

كما تشمل خدمة التحويلات اللحظية التي تتيح تحويل الأموال من الخارج إلى مصر في أي وقت وطوال أيام الأسبوع، وشهادات «بلادي» الدولارية التي يصدرها البنك المركزي والبنوك الحكومية بمدد تتراوح بين سنة و3 أو 5 سنوات، بعوائد ثابتة بالعملة الأجنبية، وتتميز بإمكانية تحويل الاستردادات والعوائد إلى حساب العميل خارج مصر دون أي رسوم. كما توفر البنوك الحكومية والخاصة شهادات ادخار بعوائد تنافسية، مثل شهادة «ابن مصر» وشهادات الادخار الدولارية من بنك الكويت الوطني.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

رؤية الخبراء

قال وليد عادل، الخبير المصرفي، إن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ليست مجرد بند اعتيادي في ميزان المدفوعات المصري، بل باتت توثيقاً لملحمة تصحيح نقدي أعادت صياغة المشهد الاقتصادي بأكمله. فبعد فترات من الترقب والاضطراب، كشفت بيانات البنك المركزي عن قفزة تاريخية وتدفقات قياسية بنمو استثنائي ناهز 32%، مدفوعة بمرونة سياسة سعر الصرف وحزمة هندسة مصرفية مبتكرة.

وأوضح عادل أن البنوك فهمت سلوك المغترب المصري الذي يحصل على دخله بالدولار لكنه يستهلك وينفق ويستثمر داخل مصر بالجنيه، لذلك ظهرت شهادات مثل «الأهلي فوراً» من البنك الأهلي المصري، وشهادات القمة الدولارية من بنك مصر، التي تقدم فكرة العائد المقدم، حيث يضع العميل الدولار ويحصل فوراً على قيمة العائد بالجنيه مقدماً لعدة سنوات. هذه الآلية حققت عدة أهداف في وقت واحد: جذبت الدولار إلى الجهاز المصرفي سريعاً، وخففت الضغط على الطلب النقدي داخل السوق، ومنحت العميل سيولة فورية بالجنيه يمكنه استخدامها في شراء عقار أو سداد التزامات أو الاستثمار، وأعادت الثقة في قدرة البنوك على تقديم أدوات أكثر مرونة من السوق غير الرسمية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وتابع الخبير المصرفي أن جزءاً مهماً من الأزمة سابقاً كان إجرائياً وليس مالياً فقط، حيث كان كثير من المصريين بالخارج يواجهون تعقيدات في فتح الحسابات وضرورة الحضور للفروع، إضافة إلى بطء الإجراءات الورقية وصعوبة تحديث البيانات من الخارج. لذلك اتجهت البنوك الكبرى إلى تسهيل فتح الحسابات الرقمية للمغتربين من خلال التحقق الإلكتروني من الهوية، وتفعيل الحسابات عن بُعد، وإتاحة التحويل المباشر، وربط المحافظ والخدمات البنكية بالتطبيقات الذكية.

وحسب عادل، فإن مشروع «بيت الوطن» يُعد من أكثر الأدوات تأثيراً، حيث ربط بين التحويلات الدولارية وفرص تملك العقارات والأراضي بالدولار. وأشار إلى أن الدولة أدركت مبكراً أن المصريين في الخارج لديهم هدفان رئيسيان: الحفاظ على قيمة مدخراتهم، وتأمين أصل ثابت داخل مصر، لذلك تم طرح أراضٍ سكنية ووحدات عقارية بمزايا حصرية للمصريين بالخارج، مع السداد بالعملة الأجنبية، مما خلق نوعاً من التحالف غير المباشر بين البنوك وقطاع العقارات وسياسة جذب النقد الأجنبي.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي بلال شعيب إن النمو في التحويلات يعود إلى تغيير سياسة سعر الصرف، حيث انتقل البنك المركزي المصري من نظام كان يتحكم في سعر الجنيه بشكل مباشر إلى نظام أكثر مرونة يعتمد على العرض والطلب. وأوضح أن ارتفاع سعر الدولار في فترات نقص المعروض شجع المصريين العاملين بالخارج على زيادة تحويلاتهم إلى السوق المحلية، مما يحد من تسربها خارج القطاع المصرفي ويدعم تدفقات النقد الأجنبي داخل الاقتصاد المصري.

وتابع شعيب: «البنوك لم تعتمد على سعر الصرف فقط، بل أضافت عوائد مرتفعة، وخدمات رقمية، وأدوات استثمار، وفرصاً عقارية، وسهولة في حركة الأموال، إلى جانب إحساس أكبر بالاستقرار النقدي». وأكد أن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذه الدولارات، فإذا تراجعت جاذبية العائد، أو عادت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، أو تباطأت الخدمات، أو ارتفعت المخاطر التضخمية، فقد تعود التدفقات مجدداً إلى الخارج أو إلى السوق غير الرسمية. لذلك تتطلب المرحلة القادمة تطوير أدوات استثمار دولارية أكثر تنوعاً، وتوسيع الخدمات الرقمية العابرة للحدود، وتعزيز الثقة في استقرار السياسة النقدية، وتحويل المصري بالخارج من «مرسل تحويلات» إلى «مستثمر دائم» داخل الاقتصاد المصري.