ابتكار مستشعر لاسلكي لمراقبة صحة التربة يدعم الزراعة المستدامة بتكلفة منخفضة
مستشعر لاسلكي لمراقبة التربة يدعم الزراعة المستدامة

ابتكار مستشعر لاسلكي لمراقبة صحة التربة يدعم الزراعة المستدامة

تواجه الزراعة الحديثة تحديات كبيرة في الاستخدام الأمثل للموارد مثل المياه والأسمدة والمبيدات، حيث يؤدي التطبيق غير المدروس إلى هدر كبير وارتفاع التكاليف وتلوث البيئة. في هذا الإطار، تبرز مراقبة صحة التربة كعامل أساسي لضمان إنتاجية زراعية عالية واستدامة الموارد الطبيعية على المدى الطويل.

نظام HARVEST: ثورة في مراقبة التربة تحت السطح

ابتكر فريق بحثي من جامعة بيردو في الولايات المتحدة نظاماً مبتكراً يدعى HARVEST، وهو مستشعر لاسلكي على شكل مسمار مصمم لمراقبة دقيقة للتربة تحت السطح، حيث تصل جذور النباتات إلى الماء والعناصر الغذائية. وفقاً للدراسة المنشورة في دورية Nature Communications في فبراير 2026، يوفر هذا الابتكار بيانات لحظية وواسعة النطاق حول حالة التربة، مما يمكّن المزارعين من اتخاذ قرارات قائمة على معلومات دقيقة لتطبيق المدخلات الزراعية في الوقت والمكان المناسبين.

يهدف هذا المستشعر إلى تلبية حاجة حيوية في الزراعة العالمية تتمثل في الاستخدام الفعّال للموارد، حيث أن تباين خصائص التربة عبر الحقول الواسعة يجعل تطبيق كميات موحدة من المدخلات سبباً في هدر كبير، مما يرفع التكاليف ويؤثر سلباً على البيئة عند وصول فائض المواد إلى مصادر المياه.

اختبارات ميدانية وتطبيقات عملية

اختبرت التقنية الجديدة في حقل ذرة تجريبي بمركز بيردو للبحوث الزراعية خلال موسم نمو كامل، وصُممت لتكون قابلة للتوسع وفعّالة من حيث التكلفة، مما يجعلها في متناول صغار وكبار المزارعين على حد سواء. ويوفر المستشعر اللاسلكي مراقبة دقيقة للمعلمات الرئيسية للتربة تحت السطح، متجاوزاً القيود التقليدية ليقدم طريقة مبتكرة لتقييم صحة التربة.

يقول الدكتور رحيم رحيمي، أستاذ المواد الهندسية بجامعة بيردو والباحث الرئيسي للدراسة: "على عكس الطرق التقليدية التي تعتمد غالباً على الاستشعار السطحي، مثل تصوير المحاصيل بالطائرات دون طيار أو أخذ عينات دورية من التربة، يقيس نظامنا المبتكر مباشرة الظروف تحت السطح على عمق بين 6 و8 بوصات، حيث تصل جذور النباتات إلى الماء والعناصر الغذائية."

وأضاف رحيمي أن المراقبة الواسعة للتربة تحت السطح تتيح الحصول على معلومات دقيقة حول التوزيع المكاني والزمني للرطوبة والملوحة في منطقة الجذور، مما يساعد المزارعين على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات حول الري والتسميد في الوقت المناسب، وتجنب الإفراط في استخدام هذه المدخلات، وتقليل التكاليف، والحفاظ على الإنتاجية، بالإضافة إلى حماية البيئة من التلوث.

تأثير الابتكار على الزراعة المستدامة

يسهم هذا الابتكار في تحسين إنتاجية المحاصيل، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز ممارسات الزراعة المستدامة، مما يدعم إنتاجاً غذائياً أكثر كفاءة ويعزز الأمن الغذائي العالمي. فالمراقبة الدقيقة تسمح باستراتيجيات ري وتسميد أكثر دقة وفاعلية، مع احترام الاعتبارات البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

تقنيات متقدمة في الزراعة الذكية

على صعيد أوسع، يشهد مجال الزراعة حول العالم تحولاً كبيراً من خلال دمج الابتكارات والتقنيات المتقدمة، مثل:

  • إنترنت الأشياء والاستشعار عن بعد
  • الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الاصطناعية
  • تحليلات البيانات الضخمة

تتيح هذه التقنيات مراقبة صحة التربة في الوقت الفعلي، وتحسين استخدام الموارد، وجمع بيانات آنية عن الحقول، وتوجيه القرارات المتعلقة بالري والتسميد ومكافحة الآفات، مما يعزز الإنتاجية الزراعية بوجه عام.

ويشير باحثون من جامعة فلوريدا الزراعية في الولايات المتحدة إلى أن تقنيات الزراعة الذكية تمكّن المزارعين من اتخاذ قرارات قائمة على البيانات عبر تحليل خصائص التربة مثل مستويات الرطوبة ومحتوى العناصر الغذائية والنشاط الميكروبي، مما يسهم في تعزيز الإنتاجية وتحقيق الاستدامة.

تحديات وآفاق مستقبلية

رغم التقدم الكبير في هذه التقنيات، ينبه الباحثون إلى وجود تحديات رئيسية قد تعوق تطبيقها على نطاق واسع، تتعلق بارتفاع التكلفة وضعف البنية التحتية الرقمية في المناطق النائية. كما يؤكدون أن مستقبل الزراعة الذكية يعتمد على تحسين تكامل البيانات، وتوحيد المعايير، وخفض التكاليف، خصوصاً في الأنظمة الزراعية منخفضة الموارد.

ويخلص الباحثون إلى أن مستقبل مراقبة صحة التربة يعتمد على تطوير مستشعرات ذكية منخفضة التكلفة، مدعومة بالتعلم الآلي ونماذج معايرة شاملة تناسب الجميع، مما يسهم في إدارة مستدامة للتربة وتعزيز الأمن الغذائي العالمي.