مطبخ الخير بالعدوة: أيقونة رمضانية تُطعم 1300 محتاج يومياً بقلوب المتطوعين
مطبخ الخير بالعدوة يُطعم 1300 محتاج يومياً في رمضان (13.03.2026)

مطبخ الخير بالعدوة: حكاية تكافل رمضانية تنتج 1300 وجبة يومياً

في مركز العدوة شمال محافظة المنيا، تحول مطبخ الخير من فكرة بسيطة نشأت خلال جائحة كورونا إلى أيقونة رمضانية تنتج يومياً نحو 1300 وجبة كاملة تصل إلى الأرامل ومحدودي الدخل والعمال الغرباء وكبار السن. بدأت الحكاية عندما قررت الحاجة سلوى أبوالعلا أن يجعل مطبخ بيتها أكثر من مجرد مكان لإعداد الطعام، بل وسيلة للتكافل ونشر الخير طوال شهر رمضان الكريم.

صينية العيلة: وجبة متكاملة بمعايير منزلية

على عكس الوجبات الجاهزة أو المعلبات، يقدم المطبخ ما يُعرف بـصينية العيلة، وهي وجبة متكاملة تضم كيلو لحمة، كيلو أرز، كيلو بطاطس مطهوة بعناية، طبق سلطة أو مخلل، حلوى رمضانية مثل القطايف أو الكنافة، وأربع ثمرات فاكهة موسمية مثل الموز أو الفراولة، وأحياناً عبوات عصير عالية الجودة إذا توفرت كتبرعات.

تقول الحاجة سلوى: "بنستخدم زيت ذرة وسمنة بلدى، علشان الأكل يبقى صحى وريحته زى أكل البيت بالظبط". وتؤكد أن الأمر لا يقتصر على وجبات الإفطار فقط، بل يمتد إلى السحور وفق حجم التبرعات، حيث يتم توزيع عيش وفول مدمس، فيما يُصنع المخلل بأيدي المتطوعات أنفسهن.

فريق عمل متكامل: 20 متطوعة وشيفان بأجر

منذ الفجر حتى الغروب، يعمل فريق المطبخ في تجهيز وجبات اليوم، بينما يعمل فريق آخر على التحضير لليوم التالي. يضم الفريق 20 فتاة متطوعة من قرى المركز، إلى جانب اثنين من الشيفات يعملان بأجر، والجميع يعمل بتنظيم يشبه العمليات التطوعية لكن بروح العائلة الواحدة.

من بين الأسماء البارزة في هذا الجهد:

  • فاطمة بخيت من قرية برمشا
  • صابرة صالح على من كفر المغربي
  • هبة رجب أحمد من عزبة فرج الله
  • دعاء سلام من قصر لملوم
  • سوريا حسن من قرية برامل

رسالة خير ودعوات تدفع المتطوعين

هؤلاء الفتيات يعتبرن عملهن رسالة لنشر الخير، حيث تقول فاطمة بخيت: "أنا بشتغل هنا من أول رمضان، وفرحانة إنى بشيل همّ ناس تانية، فكل وجبة بنجهزها بدعاء، وبنحس إن ربنا بيبارك فى وقتنا وتعبنا".

وتضيف صابرة صالح: "بنحط كابوتشى فى السلطة رغم ارتفاع سعره، عشان الناس تستفيد أكتر، إحنا مش بنقدم أكل بس، إحنا بنقدم كرامة".

أما دعاء سلام فتروي: "أكتر حاجة بتخلينى أكمِّل هى دعوات الناس، ست عجوزة قالت لى: ربنا يخليكى يا بنتى، إحنا من زمان الخير، هنا عرفت إن إحنا بنعمل حاجة كبيرة".

جنود مجهولون وأطباء متطوعون

المطبخ لم يجذب فقط المتطوعات، بل شارك فيه أيضاً جنود مجهولون. تقول الحاجة سلوى: "مرة فوجئت بشيف متطوع من عزبة محمد بك اشتغل معانا أسبوع كامل، وهو بيشتغل فى القاهرة، جاى علشان يشارك فى ثواب الأكل، مش عايز فلوس، ووعد إنه هيتطوع بالعمل أسبوع كامل دون أجر خلال شهر رمضان الجارى".

ولا يقتصر الدعم على الطهي فقط، فهناك أطباء متطوعون مثل الدكتورة جهاد، إلى جانب معلمين ومهندسين، بعضهم يتولى توفير الفاكهة والكنافة والقطايف، وآخرون يساعدون في تغليف الوجبات بالورق الحراري والاسترتش لضمان وصولها ساخنة وكأنها خرجت للتو من الفرن.

خطة توزيع مدروسة بدقة

تُخصص 1000 وجبة يومياً لقرية بأكملها، فيما توزع 300 وجبة إضافية على العمال الغرباء وكبار السن، وتُخصص وجبة رمزية واحدة كصلة رحم. تقول هبة رجب أحمد: "بنوصّل الأكل للناس اللى محدش شايفهم، فيه عمال بيشتغلوا فى النهار وما بيلحقوش يعملوا حاجة، وبنكون موجودين عشانهم".

نشأة المطبخ وتطوره

انطلقت فكرة مطبخ الخير في مركز العدوة أقصى شمال غربي محافظة المنيا عام 2021 عقب جائحة كورونا، بجهود ثلاثة أشخاص هم سلوى أبوالعلا، محمود مختار العمدة، والحسيني أحمد رمضان. ومع تنامي التبرعات نتيجة الثقة الكبيرة في رسالة الخير، تبرّع شقيقها الدكتور خالد أبوالعلا، رئيس قسم الغسيل الكلوي ونائب مدير مستشفى العدوة، بالطابق الأرضي من منزله بالكامل ليكون مقراً دائماً للمطبخ.

وسط أطنان البطاطس وأكياس الأرز، تقف الحاجة سلوى بعين دامعة وأخرى مبتسمة وتقول: "كل حاجة حلوة حصلت فى حياتى بسبب مطعم الإطعام ودعوات الناس، وعلشان كدا أنا مستعدة أتعب أكتر علشان أحصل على ثواب أكبر، إحنا مش بناكل عشان نعيش، إحنا بنعيش عشان نُطعم".