ذكرى وفاة شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي.. 14 عاماً على كرسي المشيخة
يحل اليوم الثلاثاء الموافق 10 مارس 2026، ذكرى وفاة الإمام الأكبر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر السابق، الذي رحل عن عالمنا قبل 16 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والقيادي امتدت لأكثر من نصف قرن.
نشأة الراحل وتعليمه
وُلد الدكتور محمد سيد عطية طنطاوي في 28 أكتوبر 1928 بقرية سليم الشرقية بمحافظة سوهاج، وتلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم في محافظة الإسكندرية، حيث نشأ في ظروف عائلية خاصة بعد وفاة والدته مبكراً.
يقول الإمام الراحل عن طفولته: "والدتي توفيت بعد ولادتي بأشهر قليلة، لم أرها، وتزوج والدي بسيدة فاضلة أنجبت ستة ذكور سواي، وهذه السيدة الفاضلة كانت تعاملني كما تعامل أبناءها تماماً، هذه المعاملة الكريمة أثرت في نفسي تأثيراً عميقاً".
البدايات الأولى في الخطابة
بدأت علاقة طنطاوي بالمنابر الدينية مبكراً، حيث كلفه أهل منطقته في الإسكندرية بتولي خطبة الجمعة وإمامة الصلوات وهو في المرحلة الثانوية، بعد وفاة إمام المسجد المحلي.
يذكر الراحل تلك الفترة قائلاً: "كنت في أولى ثانوي، فأهل المنطقة كلفوني بأن أتولى خطبة الجمعة، وأتولى أيضاً إمامة الناس في الصلوات، ووفيت بوعدي معهم، وكنت حريصاً على أن أؤدي صلاة الجماعة وصلاة الجمعة".
المسار الأكاديمي والوظيفي
تدرج طنطاوي في مسيرته العلمية والمهنية عبر المحطات التالية:
- حصل على الليسانس من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1958
- عمل إماماً وخطيباً ومدرساً بوزارة الأوقاف عام 1960
- نال درجة الدكتوراه في الحديث والتفسير عام 1966 بتقدير ممتاز
- عين مدرساً في كلية أصول الدين عام 1968
- انتقل للعمل في ليبيا لمدة أربع سنوات
- عمل رئيساً لقسم التفسير في كلية الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1980
منصب مفتي الديار المصرية
شكل تعيين طنطاوي مفتياً للديار المصرية في 28 أكتوبر 1986 مفاجأة كبيرة له، حيث كان المنصب تقليدياً من حصة خريجي كلية الشريعة، بينما كان هو خريج كلية أصول الدين متخصصاً في التفسير.
يروي الراحل تفاصيل تلك اللحظة: "فوجئت باتصال من الشيخ جاد الحق يطلب حضوري، فأخبرني بخلو وظيفة وكيل الأزهر ويريد ترشيحي لها، وبعد أسبوع كان الاتصال الثاني بمفاجأة منصب الإفتاء".
وأضاف: "قلت له: الإفتاء ليس تخصصي، أنا مدرس تفسير ولست مدرس فقه، والمفتي يكون من خريجي كلية الشريعة لأنه يجب أن يكون ملماً بالأحوال الفقهية".
لكن إصرار الشيخ جاد الحق وتهديده بإمكانية إلغاء منصب الإفتاء لعدم وجود مرشحين مناسبين جعل طنطاوي يتراجع عن اعتذاره، قائلاً: "ما دام الأمر كذلك وما دامت المسألة لخدمة الدين، أنا أستعين بالله وأقبل".
14 عاماً على كرسي مشيخة الأزهر
بعد عشر سنوات قضاها في دار الإفتاء، عُين الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخاً للأزهر في 27 مارس 1996، ليشغل المنصب لمدة 14 عاماً كاملة حتى وفاته، مسجلاً أحد أطول فترات المشيخة في العصر الحديث.
تميزت فترة مشيخته بالعديد من السمات البارزة:
- الوسطية والاعتدال: عُرف بمواقفه المعتدلة ونبذه للتطرف
- دعم قضايا المرأة: مما جعله هدفاً لهجمات المتشددين
- الإنتاج العلمي: ألّف العديد من الكتب أبرزها "الفقه الميسر"
- الحضور الدولي: مثل الأزهر في محافل عالمية عديدة
الرحيل والدفن في البقيع
توفي الإمام الأكبر يوم الأربعاء 10 مارس 2010 في الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، إثر نوبة قلبية تعرض لها في مطار الملك خالد الدولي عند عودته من مؤتمر دولي عقده الملك عبد الله بن عبد العزيز لمنح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام.
صُلي عليه صلاة العشاء في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، ووري الثرى في مقبرة البقيع، تاركاً إرثاً علمياً وأخلاقياً كبيراً في المؤسسة الأزهرية والعالم الإسلامي.
التكريم المستمر
ظل اسم الشيخ الراحل حاضراً في المشهد الثقافي والديني، حيث أعادت جامعة سوهاج في عام 2019 جائزة "التسامح والحوار الديني" باسمه بعد انقطاع دام 6 سنوات، مؤكدة أنها أقل ما يمكن تقديمه لأحد أعلام الأزهر ومحافظة سوهاج.
يظل الدكتور محمد سيد طنطاوي نموذجاً للإمام العالم الذي جمع بين العمق العلمي والوسطية الفكرية، والقيادة الحكيمة للمؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي.
