قصة يوسف والنور الذي لا ينطفئ: دروس في القوة والإيمان
يوسف والنور الذي لا ينطفئ: قصة إيمان وقوة

منذ انتقال يوسف إلى السكن الجامعي، اعتاد أن ينام والنور مضاءً كل ليلة. لم يكن زملاؤه يفهمون السبب، وكان هو نفسه يتحاشى الحديث عن ذلك. لكن الحقيقة أنه لم يكن يخاف الظلام بقدر ما كان يخاف ذلك الشعور الثقيل الذي يهاجمه كلما بقي وحده في هدوء الليل.

يوسف في مواجهة القلق الداخلي

كان يوسف في السنة الأخيرة بكلية التجارة، يبدو ناجحًا أمام الجميع، يضحك أحيانًا ويتحدث بصورة طبيعية. لكن داخله كان ممتلئًا بقلق مستمر وخوف من المستقبل وإحساس مزمن بأنه أضعف من أن يحتمل الحياة وحده.

وفي إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن المدينة كلها، فغرق السكن الجامعي في ظلام كامل. تعالت أصوات الطلبة بالضحك والمزاح، لكن يوسف شعر بانقباض شديد في صدره، فخرج إلى الممر الطويل محاولًا أن يهدأ.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لقاء مع المشرف العجوز

وبينما كان يسير وسط الظلام، لاحظ أن هناك بابًا واحدًا مفتوحًا في آخر الممر يخرج منه ضوء شمعة صغيرة. كان باب غرفة المشرف العجوز "عم نبيل". اقترب يوسف ببطء، فرفع الرجل رأسه وقال مبتسمًا: "تعال يا ابني.. كنت أعلم أنك ستأتي". تعجب يوسف من عبارته، لكنه دخل وجلس في صمت.

كانت الغرفة بسيطة جدًا؛ سرير حديدي قديم، ومكتبة صغيرة، وصورة للسيد المسيح معلقة فوق المكتب. أما عم نبيل، فكان رجلًا هادئًا تجاوز الستين، يحمل دائمًا نظرة مطمئنة تشعرك أن الدنيا ليست مخيفة كما تبدو.

نظر إليه الرجل قليلًا ثم قال: "يبدو أنك متعب من الداخل أكثر من الخارج". ابتسم يوسف ابتسامة باهتة وقال: "ربما". سكت عم نبيل لحظة، ثم أضاف: "الإنسان أحيانًا يتظاهر بالقوة حتى ينهار وحده بعيدًا عن الناس". شعر يوسف أن الكلمات لمست شيئًا عميقًا داخله، ولأول مرة منذ شهور قال بصراحة: "أشعر دائمًا أنني وحدي.. وأن كل شيء فوق قدرتي".

رسالة الإيمان والحماية

أخذ الرجل نفسًا هادئًا، ثم فتح الكتاب المقدس الموضوع بجواره وقال: "عندما كنت في عمرك، كنت أظن أن الله يحمينا بأن يمنع عنا الضيقات، لكنني اكتشفت مع الأيام أن حمايته الحقيقية هي أنه يبقى معنا وسطها". ثم قرأ بصوت هادئ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ" (1 بط 1: 5).

ظل يوسف صامتًا، بينما أكمل عم نبيل قائلًا: "الطفل الصغير حين ينام، لا يشعر بذراع أبيه حوله، لكنه يكون محفوظًا بها رغم ذلك. وكذلك نحن، قد لا نرى يد الله دائمًا، لكن هذا لا يعني أنها ليست موجودة".

بقيت الكلمات تتردد داخل يوسف طويلًا. شعر بشيء من الراحة لم يعرفه منذ مدة، كأن العبء الذي يحمله صار أخف قليلًا. ومنذ تلك الليلة، اعتاد أن يجلس مع عم نبيل كلما ازدحم رأسه بالأفكار. أحيانًا كانا يتحدثان، وأحيانًا يكتفيان بالصمت وشرب الشاي، لكن يوسف كان يخرج من عنده كل مرة أكثر هدوءًا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

اختبار جديد

ومرت الأسابيع حتى جاء يوم لم يجد فيه باب غرفة عم نبيل مفتوحًا كعادته. طرق الباب فلم يجبه أحد، ثم علم بعد ساعات أن الرجل نُقل إلى المستشفى إثر أزمة قلبية مفاجئة. ذهب يوسف لزيارته في المساء، فوجده راقدًا على السرير ضعيفًا، لكن ملامحه ما زالت تحمل نفس السلام.

ابتسم عم نبيل حين رآه وقال: "لا تخف يا يوسف.. أنا بخير". ثم أمسك يده وأضاف بصوت خافت: "تذكر دائمًا أن الإنسان لا يُحفظ بقوته.. بل بمحبة الله التي لا تُرى". امتلأت عينا يوسف بالدموع، ولم يعرف بماذا يجيب. وقبل أن يغادر، قال له الرجل: "عندما تعود الليلة إلى غرفتك.. أطفئ النور".

النور الداخلي

عاد يوسف إلى السكن مترددًا. وقف طويلًا أمام مفتاح الكهرباء، ثم أخيرًا أطفأ المصباح واستلقى في الظلام. كان يتوقع أن يعود إليه ذلك الخوف القديم، لكنه فوجئ بسكينة هادئة تملأ قلبه شيئًا فشيئًا. ولأول مرة منذ سنوات، أدرك أن الإنسان قد لا يرى اليد التي تحرسه.. لكنه يستطيع أن يشعر بها.