رحيل الخليفة العباسي الأخير: قصة مقتل المستعصم بالله دهساً بالخيل على يد المغول
في مثل هذا اليوم من عام 1258م، شهد العالم الإسلامي حدثاً تاريخياً مفصلياً تمثل في مقتل الخليفة العباسي الأخير عبد الله المستعصم بالله على يد القوات المغولية، مما أدى إلى سقوط الخلافة العباسية في بغداد بعد أكثر من خمسة قرون من قيامها. هذا الحدث الدرامي لم يكن مجرد نهاية لحاكم، بل كان نهاية لعصر كامل من الحضارة الإسلامية.
نشأة الخليفة الأخير وضعف الدولة العباسية
ولد المستعصم بالله تقريباً في عام 1213م، وتولى مقاليد الخلافة سنة 1242م خلفاً لوالده المستنصر بالله. جاءت فترة حكمه في مرحلة حرجة كانت الدولة العباسية قد فقدت خلالها الكثير من نفوذها السياسي والعسكري، حيث اقتصر سلطانها الفعلي على بغداد ومحيطها المباشر، بينما كانت القوى الإقليمية المختلفة هي المتحكمة الفعلية في أطراف الدولة.
اتسم عهد المستعصم بالله بضعف الإدارة المركزية وتزايد نفوذ بعض رجال البلاط والمقربين، في وقت كانت فيه قوة المغول تتمدد غرباً بسرعة لافتة تحت قيادة هولاكو خان. هذا التوسع المغولي شكل تهديداً وجودياً للدولة العباسية التي كانت تعاني أصلاً من الترهل والانقسامات الداخلية.
حصار بغداد وسقوط المدينة المدوي
في عام 1258م، تقدمت جيوش المغول الجرارة بقيادة هولاكو خان نحو بغداد بعد إخضاع مناطق واسعة من فارس وبلاد ما وراء النهر. فرضت القوات المغولية حصاراً محكماً على المدينة الأسطورية، واستمر القصف والاشتباكات العنيفة لأيام قليلة فقط قبل أن تنهار الدفاعات تماماً.
دخل المغول بغداد في فبراير من العام نفسه، ووقعت مجازر واسعة النطاق ودمار كبير طال السكان والعمران والمؤسسات العلمية والثقافية التي كانت مفخرة الحضارة الإسلامية. دمرت المكتبات العظيمة وألقيت مخطوطات لا تقدر بثمن في نهر دجلة، مما شكل ضربة قاسية للتراث الفكري الإسلامي.
كواليس مقتل الخليفة بطريقة الدهس بالخيل
بعد سقوط المدينة بشكل كامل، ألقي القبض على الخليفة المستعصم بالله الذي كان آخر حكام السلالة العباسية في بغداد. وتذكر المصادر التاريخية الموثقة أنه قتل بطريقة غريبة تجنبت إراقة دمائه مباشرة، حيث لف في بساط أو سجادة ودهس بالخيل حتى الموت.
يقال إن المغول اتبعوا هذا التقليد في قتل الملوك والحكام كرمز للاحتقار وعدم إراقة الدماء النبيلة مباشرة. بموت المستعصم بالله بهذه الطريقة المأساوية، انتهت فعلياً الخلافة العباسية في بغداد التي استمرت منذ تأسيسها عام 750م على يد أبو العباس السفاح.
تداعيات سقوط بغداد على العالم الإسلامي
شكل سقوط بغداد صدمة كبرى وعميقاً في العالم الإسلامي بأكمله، حيث مثل هذا الحدث التاريخي تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية والدولية. مهّد سقوط الخلافة العباسية لمرحلة جديدة خضعت فيها أجزاء واسعة من المشرق الإسلامي لحكم المغول المباشر.
ومع ذلك، لم يكن هذا نهاية مطلقة للخلافة العباسية، حيث أعيد إحياؤها شكلياً في القاهرة بعد سنوات قليلة تحت رعاية المماليك، لكنها فقدت هيبتها وسلطتها الواسعة التي تمتعت بها في عصورها الذهبية. أصبحت الخلافة العباسية في القاهرة مجرد رمز ديني دون سلطة سياسية حقيقية.
يظل مقتل المستعصم بالله وسقوط بغداد أحد أهم الأحداث التاريخية التي غيرت مسار الحضارة الإسلامية، ودرساً في أهمية الوحدة والقوة في مواجهة التحديات الخارجية. تبقى هذه الحادثة تذكيراً مؤلماً بزوال الإمبراطوريات العظيمة عندما تضعف من الداخل وتواجه تهديدات وجودية من الخارج.