بين الرخاوة والاجتهاد.. تُصاغ ملامح حياتك
يقول سفر الأمثال 12: 27: "الرَّخَاوَةُ لاَ تَمْسِكُ صَيْدًا، أَمَّا ثَرْوَةُ الإِنْسَانِ الْكَرِيمَةُ فَهِيَ الاجْتِهَادُ". تقدم هذه الآية صورة بسيطة لكنها عميقة: إنسان يخرج للصيد، يتعب ويبذل جهدًا، لكنه بسبب التراخي لا يُحسن استثمار ما بين يديه، فيفقد ما كان يمكن أن يكون له. وكأن الحكمة هنا تقول: ليست المشكلة دائمًا في قلة الفرص، بل في طريقة تعاملنا معها.
كثيرًا ما نمتلك إمكانيات وبدايات جيدة، لكن الرخاوة - ذلك التراخي الداخلي، والتسويف، والانتظار - تجعلنا نُضيّع ما في أيدينا. نؤجل ما يجب أن نفعله، نكتفي بالنوايا دون أفعال، ونقنع أنفسنا أن الوقت ما زال أمامنا. لكن الحقيقة أن الحياة لا تنتظر. لذلك يقول الكتاب أيضًا: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيمًا" (أمثال 6: 6). النملة لا تملك قدرات خارقة، لكنها تملك الاستمرارية والاجتهاد، وهذا ما يصنع الفارق.
الاجتهاد: موقف قلب قبل أن يكون حركة يد
الاجتهاد الذي يتحدث عنه الكتاب ليس مجرد سعي مادي أو انشغال دائم، بل هو موقف قلب قبل أن يكون حركة يد. هو أمانة في التفاصيل الصغيرة، التزام بما وُضع بين أيدينا، واستعداد أن نبذل حتى عندما لا نرى نتائج فورية. الرب يسوع نفسه قال: "الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير" (لوقا 16: 10). الاجتهاد هنا مرتبط بالأمانة، وليس فقط بالنجاح الظاهر.
نرى هذا بوضوح في مثل الوزنات (متى 25). الخادمان اللذان اجتهدا فيما أُعطيا، ولو كان قليلًا، سمعا كلمات التشجيع: "نعمّا أيها العبد الصالح والأمين". أما الذي أخفى وزنه، فلم يكن شريرًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان متراخيًا، خائفًا، غير مستثمر لما بين يديه. فخسر الفرصة.. لا لأنه لم يملك، بل لأنه لم يجتهد.
الرخاوة: ليست دائمًا كسلًا ظاهرًا
الرخاوة ليست دائمًا كسلًا ظاهرًا، بل قد تكون في صورة تأجيل مستمر، أو فقدان حافز، أو حياة بلا هدف واضح. لكنها في النهاية تُفرغ الإنسان من إحساسه بالقيمة. بينما الاجتهاد حتى في أبسط الأمور يعطي للحياة معنى، ويجعل الإنسان شريكًا مع الله في ما يصنعه به.
الله لا يطلب منا الكمال، لكنه يدعونا إلى الأمانة والاجتهاد. أن نفعل ما علينا، ونترك له النتائج. وعندما نجتهد، لا نُثبت فقط قدرتنا، بل نُظهر تقديرنا للنعم التي أعطاها لنا. لذلك قيل: "كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ بِقُوَّتِكَ" (جامعة 9: 10).
السؤال الجوهري: ماذا تفعل بما تملك؟
في النهاية، السؤال ليس: كم تملك؟ بل: ماذا تفعل بما تملك؟ هل تتركه يتآكل بسبب الرخاوة.. أم تنمّيه بالاجتهاد؟ اليوم، خذ خطوة عملية، حتى لو كانت صغيرة. ابدأ بشيء مؤجل، أو التزم بأمر كنت تتهاون فيه. لا تنتظر الحماس الكامل، بل تحرّك بما لديك الآن. لأن الاجتهاد ليس مجرد طريق للنجاح.. بل هو أسلوب حياة يكرم الله، ويُثمر فيك قبل أن يُثمر حولك.



