يوم عرفة هو أحد أهم المواعيد الإيمانية التي ينتظرها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها كل عام، فهو ليس مجرد يوم عابر في تقويم الأشهر، بل هو جوهرة التاج في أيام العشر الأول من ذي الحجة، وموسم تتجلى فيه الرحمات الإلهية، وتتنزل فيه المغفرة على العباد، ويدنو فيه المولى عز وجل من أهل الموقف باهياً بهم ملائكته في مشهد إيماني مهيب.
وقد حظي هذا اليوم بمكانة رفيعة في الشريعة الإسلامية، وجاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة لتكشف عن عظم ثوابه، وتدفع المسلمين إلى اغتنام كل لحظة من لحظاته، سواء كانوا من الحجاج الواقفين على صعيد عرفات الطاهر، أو من المقيمين في ديارهم الطامعين في نيل الأجر والمغفرة والعتق من النار.
فضل يوم عرفة في القرآن الكريم
يتفرد يوم عرفة بخصائص وميزات عديدة تجعله يتربع على عرش الأيام الفاضلة، ومن أبرز هذه الميزات الشرعية أنه يقع ضمن الأشهر الحرم التي عظم الله شأنها في كتابه الحكيم، حيث قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ"، وتتمثل هذه الأشهر الأربعة في ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، ورجب. وحيث إن يوم عرفة يوافق اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فهو يكتسب حرمة وفضلاً مضاعفاً لوقوعه في هذا التوقيت المبارك.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا اليوم يعد من الأيام الأساسية في أشهر الحج التي حددها القرآن الكريم في سورة البقرة بقوله: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ"، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
ولم تقتصر الفضائل عند هذا الحد، بل إن يوم عرفة هو أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله جل وعلا عليها وعلى الذكر فيها في القرآن الكريم، حيث قال في سورة الحج: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ"، وقد نقل عن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما تأكيده المقرر بأن المقصود بالأيام المعلومات في الآية هي الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة.
وتأكيداً على علو قدر هذا اليوم وعظم قيمته عند الله، فقد أقسم الله تعالى به في كتابه الكريم، فالقسم لا يكون إلا بعظيم، وذلك في سورة الفجر حين قال سبحانه: "وَلَيَالٍ عَشْرٍ"، وقد أجمع المفسرون، ومنهم الحافظ ابن كثير استناداً إلى رواية ابن عباس، على أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهو الرأي الصحيح المستقر عليه.
أثر صيام يوم عرفة في تكفير الذنوب
يتطلع المسلمون غير الحجاج إلى صيام يوم عرفة لما فيه من ثواب جزيل يعادل كفارة للخطايا والذنوب، وقد استقرت السنة النبوية على استحباب صوم هذا اليوم دون اشتراط أن يقترن بصيام الأيام التي تسبقه، وذلك اعتماداً على ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"، وتكفير ذنوب السنة القادمة والمستقبلية يفسره العلماء بأن الله سبحانه وتعالى يحول بين العبد المسلم وبين الذنوب والمعاصي، أو يوفقه للتوبة النصوح فلا يقع فيما يبطل أجر صيامه.
هل يجوز للحجاج صيام يوم عرفة؟
وفي المقابل، يختلف الحكم الشرعي لصيام يوم عرفة تماماً بالنسبة لحجاج بيت الله الحرام المتواجدين في المشاعر المقدسة، حيث يكره في حقهم الصيام إذا كان هذا الصوم سيؤدي إلى إصابتهم بالضعف أو حصول المشقة والتعب أثناء أداء ركن الحج الأعظم وهو الوقوف على جبل عرفات. فالشرع الحنيف يراعي قدرة المكلف ويفضل أن يتفرغ الحاج بكامل طاقته البدنية للذكر والدعاء والتضرع دون أن ينهكه الصيام.
خير الدعاء وأفضل الأذكار المأثورة في يوم عرفة
يتميز يوم عرفة بفتح أبواب الإجابة، حيث يكون الدعاء فيه مستجاباً لجميع العباد الذين يخلصون النية لله تعالى، وقد ورد تعظيم الدعاء في هذا اليوم في الحديث الشريف الذي رواه الإمام الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". ويظهر من هذا التوجيه النبوي أن كلمة التوحيد وإعلان الإخلاص لله رب العالمين هي أشرف وأفضل ما يلهج به لسان المسلم في ذلك اليوم العظيم.
أدعية يوم عرفة حرص النبي عليها
اشتملت السنة النبوية المطهرة على أدعية مأثورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص عليها ويكثر منها في يوم عرفة، ومنها الدعاء الجامع: "اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، و"رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ".
وإلى جانب هذا الدعاء، يُنصح المسلمون بالإكثار من أفضل الأذكار وهو قول "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، مع ملازمة الاستغفار والتوبة والتحلي بحسن التأدب مع الله ومع الخلق، وإظهار البشاشة والابتسام في وجوه المؤمنين، لتكتمل منظومة العبادة القولية والعملية والقلبية في هذا اليوم المبارك الذي لا يتكرر إلا مرة واحدة في العام.



