في مشروع قانون الأسرة الجديد، لم يعد الطلاق مجرد لفظ يردده الزوج لتنتهي معه الحياة المشتركة، بل أصبح مسارًا قانونيًا تحكمه إجراءات إلزامية وضمانات تهدف إلى تقليل الانفصال المفاجئ، وحفظ حقوق الزوجة والأبناء، وإعطاء فرصة حقيقية للصلح قبل الوصول إلى النهاية. المشروع الذي تقدمت به الحكومة إلى البرلمان يتبنى فلسفة جديدة تقوم على تنظيم أدق تفاصيل العلاقة الأسرية منذ عقد الزواج وحتى الطلاق، في إطار تشريع موحد يضم أحكام الأحوال الشخصية المتفرقة التي تراكمت عبر أكثر من مائة عام.
توثيق الطلاق خلال 15 يومًا إجباري
من أبرز التحولات التي حملها مشروع قانون الأسرة الجديد، إلزام الزوج بتوثيق الطلاق خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا من تاريخ وقوعه، سواء كان الطلاق رجعيًا أو بائنًا. ونصت المادة 75 على أن التوثيق يتم أمام المأذون المختص أو الموثق الرسمي، مع توقيع عقوبة قانونية على من يتخلف عن الالتزام بهذه المهلة. الأهم أن المشروع ربط الآثار القانونية للطلاق مثل الحقوق الزوجية والميراث بإتمام التوثيق الرسمي، بحيث لا يُعتد بالطلاق قانونيًا في هذه المسائل إلا بعد تسجيله بشكل رسمي.
الزوجة لن تُفاجأ بالطلاق
وضع مشروع القانون آلية واضحة لإعلان الزوجة بالطلاق، بعدما ظلت أزمة الطلاق في الخفاء واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل. فإذا حضرت الزوجة إجراءات التوثيق اعتُبرت عالمة بالطلاق، أما إذا لم تحضر، فيلتزم المأذون أو الموثق بإعلانها رسميًا عن طريق محضر، وتسليمها نسخة من وثيقة الطلاق خلال 15 يومًا من تاريخ التوثيق. وأكد المشروع أن أي وسيلة أخرى للإبلاغ لا يُعتد بها حال النزاع.
محاولة صلح قبل إنهاء الزواج
في محاولة للحد من الطلاق المبكر، قيد المشروع إيقاع الطلاق خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، إذ ألزم الزوج باللجوء إلى القاضي أولًا قبل إتمام الطلاق. ويتولى القاضي محاولة الإصلاح بين الزوجين بنفسه، أو عبر الاستعانة برجال الدين أو المختصين، مع إثبات ما انتهت إليه جلسات الصلح رسميًا، سواء بالاتفاق أو بالفشل، قبل الإذن بإتمام الطلاق. وألزم المشروع المأذون أو الموثق بمحاولة التوفيق بين الزوجين قبل توثيق الطلاق، مع توعية الطرفين بمخاطر الانفصال وآثاره الأسرية والاجتماعية.
فتوى شرعية
من البنود الجديدة أيضًا، أنه إذا تعذر على المأذون أو الموثق التأكد من وقوع الطلاق شرعًا، يصبح من حقه مطالبة الزوج بإحضار فتوى معتمدة من الأزهر الشريف أو دار الإفتاء المصرية، توضح مدى توافر شروط الطلاق وصحته شرعًا قبل استكمال إجراءات التوثيق.
صلح قبل الحكم
لم يقتصر الأمر على الطلاق، بل امتدت الضوابط الجديدة إلى دعاوى الخلع، حيث نص المشروع على عدم الحكم بالخلع إلا بعد استنفاد محاولات الصلح بين الزوجين. وألزم القانون المحكمة بندب حكمين من أهل الزوجين لمحاولة الإصلاح، مع تحديد مدة شهرين لإنهاء هذه المساعي ورفع تقرير للمحكمة بنتائجها. وأوجب مشروع قانون الأسرة الجديد على الزوجة التي تطلب الخلع خلال أول ثلاث سنوات من الزواج الحصول أولًا على إذن من قاضي الأمور الوقتية، في خطوة تستهدف تقليل معدلات الانفصال السريع في السنوات الأولى للزواج.
حقوق الأطفال
أكد مشروع القانون أن الخلع لا يجوز أن يكون مقابلًا للتنازل عن حقوق الأطفال، فنص صراحة على عدم جواز إسقاط الحضانة أو نفقة الأبناء أو أي حقوق مالية تخصهم مقابل إنهاء العلاقة الزوجية، كما حافظ المشروع على حق الحاضنة في أجر الحضانة، باعتباره حقًا مستقلًا لا يسقط بالخلع.
حماية للزوجة منذ بداية الزواج
لم ينتظر المشروع وقوع الطلاق فقط لتنظيم الحقوق، بل منح الزوجة منذ البداية ضمانات قانونية داخل عقد الزواج نفسه؛ فأجاز للزوجة اشتراط حقها في العمل، أو عدم زواج الزوج بأخرى، أو حق الانتفاع بمسكن الزوجية حال الطلاق، مع منحها الحق في طلب فسخ العقد إذا أخل الزوج بهذه الشروط، كما منحها حق طلب فسخ الزواج خلال 6 أشهر إذا ثبت تعرضها للغش أو التدليس، كإخفاء الزوج معلومات جوهرية تتعلق بمركزه الاجتماعي أو ماضيه.
وثيقة تأمين لمواجهة الطلاق
من أبرز البنود المستحدثة أيضًا، إلزام الزوج بتقديم وثيقة تأمين لصالح الزوجة، تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية في حالات الطلاق البائن أو التطليق القضائي. وتُرفق بيانات الوثيقة بعقد الزواج أو إشهاد الطلاق، في خطوة تستهدف توفير حماية مالية للزوجة بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
يضم مشروع قانون الأسرة الجديد 355 مادة موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية تشمل الولاية على النفس، والولاية على المال، وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة.



