في حياة بعض الشخصيات، تتحول التحديات إلى وقود للنجاح، وتصبح المعاناة بداية لطريق طويل من الإنجاز والعطاء. هكذا كانت رحلة العالمة الجليلة، التي صنعت من الألم قوة، ومن الاجتهاد مسيرة علمية وإنسانية تستحق التقدير.
البداية والنشأة
فقد كان رحيل والدها في سنوات عمرها الأولى دافعًا كبيرًا لها ولشقيقتها للتفوق والنجاح، حتى تردّا الجميل لوالدتهما التي تحملت الكثير من أجل تربيتهما وصناعة مستقبلهما. ومنذ تلك اللحظة المبكرة، أدركت هبة نصار أن العلم هو الطريق الحقيقي لصناعة الإنسان وبناء الأوطان.
وُلدت بمحافظة دمياط، وانتقلت بعدها إلى القاهرة، حيث واصلت رحلة التفوق حتى حصلت على المركز الرابع على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة، ثم التحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وحصلت على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف.
المسيرة الأكاديمية
تدرجت في السلم الأكاديمي من معيدة إلى أستاذة للاقتصاد، ثم وكيلة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قبل أن تسجل اسمها في تاريخ جامعة القاهرة كأول سيدة تتولى منصب نائب رئيس الجامعة عام 2007، في واحدة من أهم المحطات المضيئة في تاريخ المرأة المصرية داخل المؤسسات الأكاديمية الكبرى.
كما كانت أول سيدة تحصل على جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية من أكاديمية البحث العلمي، وهو تكريم يعكس مكانتها العلمية وإسهاماتها الفكرية الرفيعة.
المناصب والإسهامات
وتولت العديد من المناصب العلمية والبحثية المهمة، من بينها إدارة المجلة العلمية لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وإدارة مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية بجامعة القاهرة، إضافة إلى عملها منسقًا قوميًّا لمشروع فرص العمل لأفريقيا بمنظمة العمل الدولية.
وامتدت إسهاماتها إلى العديد من المؤسسات الوطنية والدولية، فكانت عضوًا في لجان علمية واقتصادية متعددة، ومستشارًا للجنة الاقتصادية بمجلس الشعب، وعضوًا بمجلس إدارة الشركة القابضة للكهرباء وهيئة تنظيم مرفق الكهرباء، فضلًا عن مشاركتها في المجلس الأعلى للطاقة والمجالس القومية المتخصصة.
كما انضمت منذ عام 2002 إلى مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة كباحثة وأستاذة مشاركة لبعض الوقت، وشاركت في منتدى البحوث الاقتصادية لدول الشرق الأوسط، لتواصل حضورها المؤثر في ملفات التنمية والاقتصاد والعمل الاجتماعي.
رؤيتها للتنمية
وتؤمن الدكتورة هبة نصار بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن التعليم والصحة هما قاطرة التنمية وبناء الأجيال. كما تؤكد دائمًا أهمية حماية الفئات الأكثر احتياجًا قبل اتخاذ أي قرارات اقتصادية، مع ضرورة دعم الصناعات الوطنية وزيادة الصادرات والاعتماد على التصنيع المحلي الحقيقي لا الاكتفاء بالتجميع.
العطاء المستمر
ورغم مسيرتها الحافلة بالإنجازات العلمية والإدارية، ما زالت حتى اليوم تمنح خبراتها لطلابها والباحثين الشباب، وتفخر بأن كثيرًا من تلاميذها أصبحوا أصحاب مواقع مرموقة وحققوا نجاحات كبيرة داخل مصر وخارجها. ولم يكن تميز الدكتورة هبة نصار مقتصرًا على الجانب العلمي فقط، بل قدمت نموذجًا مشرفًا للمرأة المصرية القادرة على تحقيق التوازن بين النجاح المهني والاستقرار الأسري، فكانت زوجة وأمًا عظيمة، وقدوة في الأخلاق والتواضع والاحترام.



