لم يكن خروج المنتخب السعودي من دور المجموعات في كأس العالم 2026 مجرد نتيجة سلبية عابرة، بل جاء بمثابة جرس إنذار جديد يكشف أن الأزمة أعمق بكثير من خسارة مباراة أو سوء إدارة بطولة. الأخضر الذي اكتفى بنقطتين فقط، ظهر بعيدًا عن الصورة التي انتظرتها الجماهير، ليُفتح من جديد ملف مستقبل الكرة السعودية وكيفية إعادة المنتخب إلى طريق المنافسة.
مشروع طويل الأمد.. لا قرارات مؤقتة
أولى خطوات الإصلاح تتمثل في وضع مشروع فني يمتد لسنوات، بعيدًا عن القرارات الانفعالية التي تأتي بعد كل إخفاق. فالمنتخبات الكبرى لا تُبنى خلال أسابيع، بل عبر رؤية واضحة تشمل الفئات السنية، واختيار هوية لعب ثابتة، واستقرار الأجهزة الفنية لفترات طويلة، بما يسمح بتكوين فريق قادر على المنافسة في البطولات الكبرى.
إعادة النظر في مشاركة اللاعب السعودي
أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى مراجعة يتمثل في مشاركة اللاعب المحلي مع الأندية خلال السنوات المقبلة. فمع زيادة عدد اللاعبين الأجانب، تقلصت دقائق لعب العديد من العناصر السعودية، خاصة في المراكز الهجومية وصناعة اللعب، وهو ما انعكس على جاهزية المنتخب. ولا يعني ذلك إلغاء الاستفادة من الأجانب، وإنما الوصول إلى توازن يضمن استمرار تطور الدوري، دون التأثير على فرص اللاعب السعودي في المشاركة واكتساب الخبرات.
صناعة المواهب قبل البحث عن النجوم
أظهرت البطولة افتقاد المنتخب للاعب القادر على صناعة الفارق في المباريات الكبرى، عكس السنوات السابقة التي شهدت سطوع العديد من الأسماء البارزة. ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ من الأكاديميات والفئات السنية، مع تطوير برامج اكتشاف المواهب ومنح اللاعبين الشباب فرصة حقيقية للظهور، بدلًا من الاعتماد على أسماء تتكرر لسنوات دون ظهور بدائل جاهزة.
اختيار المدرب المناسب
أثبتت تجربة تعيين جورجيوس دونيس قبل أسابيع قليلة من كأس العالم أن تغيير المدرب في توقيت حساس لا يمنح المنتخب الاستقرار المطلوب. وخلال المرحلة المقبلة، سيكون من الضروري التعاقد مع مدرب يمتلك شخصية قوية، وخبرة في قيادة المنتخبات، مع منحه الوقت الكافي لبناء فريق جديد، بدلًا من الحكم عليه بعد عدة مباريات فقط.
شخصية داخل الملعب
لم تكن الأزمة فنية فقط، بل ظهر المنتخب فاقدًا للشخصية طوال مباريات البطولة، سواء في فرض أسلوبه أو اللعب بقوة حتى وإن لم يكن التفوق لصالحه. غابت القيادة داخل أرض الملعب، وافتقد الفريق للاعب القادر على تغيير إيقاع المباريات أو تحفيز زملائه في الأوقات الصعبة، وهو جانب لا يقل أهمية عن الجوانب التكتيكية.
الاستفادة من الإخفاق
قد يكون الخروج المبكر مؤلمًا، لكنه يمنح الكرة السعودية فرصة لإعادة تقييم مشروعها بالكامل. فالنجاح لا يتحقق بتغيير الأسماء فقط، وإنما بالاعتراف بالأخطاء ومعالجتها، ووضع خطة واضحة تبدأ من القاعدة وتنتهي بالمنتخب الأول. ويمتلك المنتخب السعودي الوقت الكافي لتصحيح المسار قبل كأس آسيا 2027 والتصفيات المقبلة، لكن ذلك يتطلب قرارات مدروسة، وليس ردود أفعال سريعة. فالكرة السعودية لا تعاني من نقص الإمكانات، بل تحتاج إلى استقرار، وتخطيط طويل المدى، ومنظومة تضع تطوير اللاعب السعودي في مقدمة أولوياتها، حتى يصبح الظهور المشرف في كأس العالم نتيجة طبيعية للعمل، وليس مجرد هدف يتم البحث عنه قبل كل بطولة.



