لم يعد الحديث داخل أروقة ريال مدريد يدور فقط حول خسارة مباراة أو ضياع لقب، بل تحوّل النادي الأكثر تتويجًا في أوروبا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والانقسامات الجماهيرية والتسريبات الإعلامية، في مشهد غير معتاد داخل قلعة اعتادت تصدير صورة القوة والهيبة والسيطرة.
مؤتمر بيريز.. إعلان حالة طوارئ
المؤتمر الصحفي الذي عقده فلورنتينو بيريز مساء الثلاثاء لم يكن مجرد ظهور إعلامي لرئيس نادٍ يمر بموسم صعب، بل بدا وكأنه إعلان حالة طوارئ داخل سانتياجو برنابيو، بعدما خرج الرجل الأقوى في مدريد للدفاع عن نفسه وعن إدارته وفتح النار على الجميع تقريبًا: الإعلام، الحكام، الجماهير، وحتى بعض الأصوات داخل النادي نفسه. لكن ما أراده بيريز خطابًا لاستعادة السيطرة تحوّل سريعًا إلى واحدة من أكثر اللحظات جدلًا في تاريخ رئاسته الطويلة.
فلورنتينو يتحدث.. وريال مدريد ينفجر
على مدار ساعة كاملة، تحدث فلورنتينو بيريز بنبرة غاضبة وغير معتادة بعد موسم كارثي انتهى بخروج ريال مدريد من جميع البطولات وخسارة الفريق لهيبته محليًا وقاريًا، في وقت يعيش فيه الغريم برشلونة حالة من التفوق الفني والمعنوي. ورغم حجم الانهيار الذي يعيشه الفريق، فإن بيريز تجنب الحديث عن الأسباب الفنية الحقيقية لما جرى ورفض تقديم إجابات واضحة بشأن تراجع الأداء أو مستقبل الجهاز الفني، مكتفيًا بمهاجمة أطراف عديدة اعتبرها مسؤولة عن الحرب ضد النادي.
الرئيس المدريدي تحدث عن ظلم تحكيمي ممنهج لصالح برشلونة، معلنًا أن النادي يُجهز ملفًا ضخمًا من 500 صفحة لتقديمه إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يتضمن ما وصفه بأدلة مرتبطة بقضية نيجريرا. كما قلل من أهمية الأزمة التي انفجرت داخل غرفة الملابس مؤخرًا بعد المشاجرة العنيفة بين أوريلين تشواميني وفيديريكو فالفيردي، مؤكدًا أن اللاعبين يتشاجرون كل موسم بسبب الروح التنافسية. لكن أخطر ما جاء في حديث بيريز كان إشارته الصريحة إلى وجود جاسوس داخل النادي يقوم بتسريب أخبار غرفة الملابس للإعلام، وهي العبارة التي فتحت أبواب الشكوك داخل ريال مدريد على مصراعيها.
أزمة أكبر من خسارة بطولة
ما يحدث داخل ريال مدريد حاليًا لا يبدو مجرد أزمة نتائج، بل أزمة صورة وهوية وهيبة. الفريق الذي اعتاد فرض شخصيته أوروبيًا ومحليًا تحول في الأشهر الأخيرة إلى مادة يومية للجدل والتسريبات والصراعات، بداية من الانقسامات داخل غرفة الملابس مرورًا بحالة الغضب الجماهيري وصولًا إلى الانتقادات الإعلامية غير المسبوقة ضد الإدارة. ولعل أكثر ما كشف حجم الأزمة هو حديث بيريز نفسه عن جماهير ريال مدريد حين وجّه انتقادات مباشرة للمشجعين بسبب صافرات الاستهجان ضد اللاعبين. الرئيس التاريخي للنادي بدا منزعجًا بشدة من تغير علاقة الجماهير بالفريق، قائلًا إن المدريديستا الحقيقي لا يهاجم لاعبيه، قبل أن يطرح سؤالًا صادمًا: هل تحول البرنابيو إلى سيرك روماني يبحث عن ضحية؟. تصريحات عكست بوضوح حجم التوتر داخل النادي، خاصة أن جماهير ريال مدريد لم تعد تخفي غضبها من الأداء المتراجع والإدارة الفنية للموسم.
ألتراس سور ترد بعنف
الفعل الأقوى جاء من رابطة ألتراس سور، المجموعة الجماهيرية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ ريال مدريد، والتي دخلت في صدامات طويلة مع إدارة بيريز على مدار السنوات الماضية. الرابطة نشرت لافتة حملت رسالة قاسية لرئيس النادي جاء فيها: “مع رئيس مصاب بالخرف ينتهي موسمنا في أبريل”. الرسالة لم تكن مجرد هجوم على نتائج الفريق، بل بدت وكأنها إعلان تمرد مباشر ضد بيريز، الذي طالما اعتبر أن طرد ألتراس سور من المدرجات أحد أعظم إنجازاته الإدارية. بيريز رد بدوره باتهام بعض الجماهير بمحاولة تخريب النادي، مؤكدًا أن الإدارة تعمل بالتنسيق مع الشرطة لمنع عودة عناصر الألتراس إلى المدرجات، إلى جانب مواجهة ظاهرة بيع التذاكر في السوق السوداء. لكن الأزمة الحقيقية أن الانقسام لم يعد مقتصرًا على مجموعة جماهيرية متطرفة، بل امتد إلى قطاعات واسعة من جمهور ريال مدريد التي بدأت ترى أن الإدارة الحالية فقدت قدرتها على السيطرة على المشهد الرياضي داخل النادي.
الصحفية التي تحدت بيريز
واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في المؤتمر كانت هجوم بيريز على صحفية في جريدة ABC دون أن يذكر اسمها بشكل مباشر، قائلًا باستهزاء: “لا أعرف إن كانت تعرف شيئًا عن كرة القدم أم لا”. لكن الرد جاء سريعًا وصادمًا.. الصحفية ماريا خوسيه فوينتيالامو خرجت عبر حسابها الرسمي على منصة إكس وأعلنت أنها المقصودة بحديث بيريز، ناشرة المقال الذي أثار غضب رئيس ريال مدريد وكتبت بثقة: “الصحفية التي يشير إليها فلورنتينو هي أنا.. احكموا بأنفسكم”. موقف ماريا حظي بتفاعل واسع داخل إسبانيا، خصوصًا بعد اتهام كثيرين لبيريز باستخدام خطاب يحمل طابعًا متعاليًا ضد النساء العاملات في الإعلام الرياضي. لكن الأهم كان مضمون المقال نفسه، والذي وصف ريال مدريد بأنه فقد الهيبة الأخلاقية وليس فقط البطولات، في انتقاد اعتبره كثيرون تلخيصًا دقيقًا لما يمر به النادي. الصحفية الإسبانية تحدثت عن سوء الإدارة والانقسامات داخل غرفة الملابس وتراجع صورة النادي على المستوى الأخلاقي والرياضي، مؤكدة أن النادي الكبير لا يُقاس فقط بعدد ألقابه بل بطريقة تصرفه وقت الأزمات.



