في موسم استثنائي مليء بالتحديات، تمكن نادي الزمالك من تحقيق إنجاز تاريخي بفوزه ببطولة الدوري العام لكرة القدم لموسم 2025-2026، متجاوزاً كل التوقعات التي كانت تشير إلى موسم صفري خالٍ من الإنجازات. لقد استطاع الفريق الأبيض أن يحقق المعجزة، متخطياً أقرب منافسيه بفارق نقاط واضح، وليس بفعل المواجهات المباشرة أو فارق الأهداف. هذا الإنجاز أذهل الجميع، خاصة أولئك الذين نظروا إلى الزمالك نظرة دونية وتوقعوا له مركزاً ثالثاً أو رابعاً خارج دائرة المنافسة التي كانت محصورة بين أندية أكثر استقراراً مادياً وفنياً وإدارياً. ولكن الزمالك سبق الجميع إلى منصة التتويج، وقبض على الدرع الثمين في ليلة لن تنساها الرياضة المصرية. ولولا ضربة جزاء طائشة لكان قد جمع بين البطولتين المحلية والقارية في موسم استثنائي ينظر إليه المنافسون اليوم بإعجاب وحسرة.
موسم صعب وعصيب
كان الموسم صعباً وعصيباً بكل المقاييس، حيث اجتمعت عوامل الإحباط والتعامل مع ظروف مربكة نادراً ما تجتمع في وقت واحد لفريق كروي. فالأزمات المالية المتمثلة في غرامات بملايين الدولارات، وقيود على القيد، ورحيل لاعبين في منتصف الموسم بسبب عدم تسلم مستحقاتهم المالية، كل ذلك كان يهدد استقرار الفريق. كما تناوب ثلاثة أجهزة فنية على فريق يفتقر إلى العمق، وأرضية ملعب تم سحبها من النادي، وانهيار فرق جماعية أخرى مثل اليد والسلة والطائرة مما زاد من الضغوط والإحباط. ومع ذلك كله، استطاع الزمالك تحقيق الإنجاز، رغم أنه لو لم يفعله لما لامه أحد، بل كان سيحظى بالعذر والتقدير، على عكس منافسيه الذين توافرت لهم كل أسباب النجاح لكنهم لم يحققوه أو حتى يقتربوا منه.
دروس مستفادة من الإنجاز
أولاً: قوة الجمهور
إذا حاول المنافس إضعافك من الداخل وإفراغ فريقك من أبرز عناصره، فإنك تستطيع استمداد القوة من إصرارك وقبولك التحدي، ومن محبيك وعشاقك الذين يتيمون بقميصك كياناً ورمزاً وانتماءً حقيقياً. لقد كان جمهور الزمالك هو الإكسير الذي قاد العربة، والوقود الذي أطلق الأحلام، والداعم الفعلي في وقت خذله من كانوا مفترضين أن يكونوا سنده. الفائز الحقيقي بإنجاز الدوري هو جمهور النادي وعشاقه المخلصون.
ثانياً: دروس للمنافسين
على المنافس أن يدرك أن الأمر لا يتعلق بإضعاف الخصم وحشد الأسماء الكبيرة، بل بالبحث عن الاحتياجات الحقيقية والتيقن بأن من أتاك مهرولاً من أجل المال لن يخلص لك، بل قد يكون معول هدم من الداخل. التجربة برمتها تحتاج إلى إعادة تقييم من جانب المنافس.
ثالثاً: دور الإدارة الصامتة
آن الأوان لإعطاء الرجل الصامت حقه، جون إدوارد، الذي تحمل الكثير من الهجوم وارتفع بصبر فوق الضغوط. لقد نجح هو وجهازه الإداري في إبعاد الفريق عن المشكلات والصعاب، واستطاع امتصاص العقبات واحتواء الأزمات، رغم أن ما تسرب منها إلى الإعلام قليل. المنظومة الإدارية بقيادة جون إدوارد وعبدالناصر محمد هي شريك أصيل في الإنجاز، بعيداً عن مجلس الإدارة الذي ربما كانت حسنته الوحيدة أنه أتى بجون إدوارد ونأى بنفسه عن ملف الفريق الأول.
رابعاً: الإخلاص قبل القدرات الفنية
في أوقات الأزمات، يكون الفريق بحاجة إلى الإخلاص أكثر من القدرات الفنية. هذا ما فعله المدير الفني معتمد جمال، الذي أخلص لتجربته ولناديه الذي تربى فيه، وتواقع مع قوام فريق ينقصه الكثير فردياً وجماعياً، فاستطاع توظيف الإمكانيات المحدودة لتحقيق الهدف، واللعب على دوافع الفوز لدى لاعبيه. كان اختيار الضرورة في ظل أزمة مادية خانقة، لكنه كان على قدر المسؤولية والكفاءة.
خامساً: ضرورة البناء على الإنجاز
على مجلس إدارة الزمالك الاستفادة مما حدث والتأسيس عليه، وعدم الارتكان إلى الاستثناء. هذا الموسم استثنائي بكل المقاييس، وعليهم الأخذ بالأسباب الفعلية لضمان الاستمرار في تحقيق أمنيات ملايين العشاق الذين أحاطوا الفريق بالحب والإخلاص.
سادساً: أهمية هذا الدوري
فاز الزمالك بخمس عشرة بطولة دوري حتى الآن، لكن دوري 2026 سيبقى الأغلى والأهم لأنه جاء من رحم المعاناة. سيبقى تجربة ملهمة لأجيال قادمة تدرك أن المنافس لن يتوقف عن إضعافك وتصدير المشكلات، وأنه لا مستحيل مع توافر إرادة الفوز، ولا يأس مع تصديق الحلم والإيمان به.



